الأول نيوز – هنا غزة…..أطنانٌ من المتفجرات سقطت على 365 كيلومترًا مربعًا دون إنذار، بيوتٌ انهارت فوق سكانها، وأحياء تحولت إلى كتل من الخرسانة، وبين الركام علِقت آلاف الجثامين عجزت فرق الإنقاذ عن الوصول إليها، ومع مرور 3 سنوات على آلة الإبادة التي حصدت الأخضر واليابس تقف فِرق الدفاع المدني أمام مهمة شاقة تتجاوز قدرتها المحدودة، ولسان حالهم يردد ما قاله محمود درويش: “كم كنت وحدك يا ابن أمي”.
حفارات قليلة، مبانٍ غير مستقرة، مخلفات حرب، وثمانية آلاف جثمان تحللت أو تفتتت تحت 60 ألف طن من الخرسانة المدمرة، ولربما تبخرت مع شدة الانفجارات، هكذا يستمر أحد أكثر فصول الحرب قسوة في غزة، حيث عائلات تنتظر بحسرة استعادة أحبائها لدفنهم كما يليق، وطواقم تحاول انتشال ما يمكن الوصول إليه بعدما أنهكهم العمل لأكثر من ألف يوم تحت سطوة المدافع وأوامر الإخلاء.
أنين يخفت وأيدي عاجزة
في شهر نوفمبر من عام 2023، وقف محمود ملكة بأيدي كبلها العجز فوق ركام ابتلع تحته نحو 60 شخصًا من أعمامه وأبنائهم بعد قصف عنيف ضرب حي الزيتون شرقي مدينة غزة، حتى إن عمله ضابطًا في جهاز الدفاع المدني لم يشفع له حين سمع أصوات بعضهم يناشدون من تحت الركام، أنينهم كان عبئًا يثقل كاهله لأيام حتى خفتت الأصوات تدريجيًّا مستسلمين للموت.
ويروي محمود أنه يعمل في جهاز الدفاع المدني منذ 5 سنوات، أقسى ما عانى فيهم كان سماع أصوات عائلته على قيد الحياة تحت الركام بعد قصف منزلهم في حي الزيتون شرقي مدينة غزة، فالقصف العنيف لكل ما يتحرك في المنطقة أجبره على تركهم حتى بدأت الهدنة المؤقتة في 24 نوفمبر 2023.
ويقول ملكة: “كانت الصدمة حين عُدت للمنزل لأجد الكلاب والقطط تنهش أجساد عائلتي من بين طبقات الركام، هرعت إلى جهاز الدفاع المدني ليساعدني على انتشالهم، لكنني صُدمت بافتقار الإمكانات والمعدات، وحالي كان كحال الكثيرين، تملّكني اليأس وسرقني الاعتقال لدى قوات الاحتلال عامين”.
وبعد ثلاثة أعوام، وعلى بُعد بضع كيلومترات من الخط الأصفر تمكن محمود ملكة مع زملائه في الدفاع المدني من انتشال 55 جثمانًا من أفراد عائلته ضمن جهود إخراج جثامين الشهداء بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لينتهي فصل قاسٍ للعائلة، لكن الجرح بقي مفتوحًا للآلاف من بعدهم.
وجع التساؤلات
يُشير الضابط محمود ملكة إلى أن مخاطر كُثر تحيط بالطواقم خلال عملهم في استخراج الجثامين، تارةً يواجهون استهدافات مباشرة من قوات الاحتلال، وتارةً أخرى تنهار أجزاء من المباني فوق رؤوسهم، ناهيك عن المخاطر الصحية نتيجة العمل وسط الرفات المتحلل.
أما عن الأثر النفسي، فإنه أعمق من وصف الكلمات والاقتباسات؛ فيحاول محمود اختصاره بسؤال: “كيف يكون شعور الإنسان عندما يرى جنينًا خارج أحشاء أمه؟، أو في لحظة نحار فيها إن كان الجثمان الذي أخرجناه يعود لرجل أو امرأة؟”، مردفًا بالقول: “لعل أقسى دقائق مرّت علينا حين توجهنا لمنزل مستهدف يعود لزميلنا كان يجلس بجوارنا في المركبة دون علمه بأن منزله المقصود بالإشارة”.
8 آلاف جثمان.. كل واحد منهم له عائلة تنتظر استعادة جثمانه
من جهته، يؤكد محمود بصل المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني، أن قرابة 8 آلاف شخص موجودين تحت أنقاض البنايات المدمرة في غزة، من أطفال ونساء وكبار سن ومرضى وأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، موزعون في مختلف أنحاء القطاع، لكن أكثر المناطق التي توجد فيها جثامين تحت الأنقاض هي مدينة غزة وشمال القطاع، وبشكل خاص مدينة غزة.
وأوضح بصل أن ما يقرب 300 منزل ما تزال تحت أنقاضها جثامين شهداء، موزعة داخل المدينة، ومنها ما هو في المناطق الصفراء التي تسيطر عليها الآن قوات الاحتلال الإسرائيلي، حيث يبقى مصير هذه المنازل وما تحتها من جثامين مجهولًا ما بين النسف والقصف والتجريف.
وحول إخراج جميع هذه الجثامين، يلفت بصل إلى أنه: “من الصعب جدًّا إخراجها، ففي عمليات الانتشال نستطيع إخراج عدد من الضحايا، بينما يبقى عدد آخر من الذين يصعب العثور عليهم، وذلك لمجموعة فرضيات في هذه القضية؛ فمن الممكن أن يكون الجثمان قد تحلل بشكل كامل، أو تعرض نتيجة القصف العنيف وحجم الصواريخ الكبيرة إلى التفتت أو التبخر، وغير ذلك”.
جهود مكثفة رغم الظروف الصعبة
يُكمل بصل حديثه: “أما بالنسبة للجثامين التي يتم إخراجها حاليًّا في القطاع، فهي ضمن مشروع انتشال الضحايا بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر الذي بدأ في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ولا يزال مستمرًّا حتى الآن رغم توقفه بعض الفترات نتيجة عمليات التنسيق مع الجانب الإسرائيلي”، حيث يُفيد بصل بأنه خلال هذا المشروع، تم انتشال نحو 500 جثمان؛ في المرحلة الأولى تم انتشال 333 جثمانًا، وفي المرحلة الحالية تم انتشال نحو 200 جثمان.
وأوضح أن عمليات الانتشال تتم بالتعاون مع طاقم من المهندسين المعماريين ومهندسي الإشراف، لمعاينة المباني ومخاطرها، وحجم الكتل الخرسانية، وتحديد طبيعة العمل وخطته، بالإضافة إلى طاقم من الأدلة الجنائية والطب الشرعي، وهم شركاء بهدف محاولة تحديد هوية الضحايا الموجودين تحت الأنقاض، حتى تكتمل المهمة ويُنتشل جثامين الشهداء بطريقة لائقة وإنسانية. لافتًا إلى أن الطاقم يحاول تحديد مكان الجثمان وإخراجه، وجمع البقايا، خصوصًا أن الجثامين تكون أحيانًا موزعة ومقطعة ومتناثرة هنا وهناك.
سنوات لدفن شهداء غزة
ويُشير إلى أن عمليات الانتشال تواجه مُعضلات، حيث إن العمل يعتمد على استخدام حفار واحد فقط، وفرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أما الوقود فيتم توفيره من الدفاع المدني ومن المؤسسات الدولية.
ويؤكد أن: “الأدوات الموجودة غير كافية، فالحفار الذي نعمل به في عمليات الانتشال لا يكفي لإخراج جميع الشهداء، ومن ثَمَّ إذا استمر الوضع على هذا الحال، فنحن أمام سنوات طويلة ستبقى خلالها الجثامين تحت الأنقاض دون أن نتمكن من إخراجها، قد تصل أكثر من خمس سنوات”. مُستدركًا: “لو توفرت معدات أكثر، مثل الجرافات والحفارات، فمن المؤكد أن الفترة الزمنية اللازمة لعمليات الانتشال ستكون أقصر”.
ويوضح بصل أن المعدات التي يعملون بها حاليًّا لا بديل لها حال تعطلت، تزامنًا مع افتقار قطاع غزة لقطع غيار نتيجة منع دخولها من قبل الاحتلال، ناهيك عن مشقة توفير الوقود أو الزيوت التي يتعامل الاحتلال مع إدخالها بأسلوب “القطارة”.
ويرى أن الطواقم تُكرس خبرة اكتسبتها من حروب سابقة آلمت القطاع، رغم الخسارة البشرية الكبيرة بعد استشهاد أكثر من 145 ضابط دفاع مدني استهدفهم الاحتلال خلال عمليات الإنقاذ والانتشال والبحث والتدخل الإنساني دون اكتراث لحُرمة الزي والمهنة، حيث يُشير بصل إلى أن الطواقم العاملة حاليًّا تتناسب مع حجم الآليات البسيط إلا أن زيادة المعدات قد تُحدث فجوة ونقص في الكادر البشري.
في كل خطوة سلامة
أما بالنسبة للمخاطر، لعل خطورة العمل هي أبرز ما يقف أمام الطواقم التي تعمل دون أدوات سلامة ووقاية بالحد الأدنى من الإمكانات، في بيئة مجهولة قد تحتوي على مخلفات صاروخية لم تنفجر، ففي مَثَلٍ ضربه بصل خلال حوارنا معه قال إنه: “قد يكون منزل ما تعرض لقصف بصاروخين، انفجر أحدهما بينما لم ينفجر الآخر. ومن ثَمَّ، أثناء تدخّل الحفار، قد يحدث اصطدام بالصاروخ غير المنفجر، ما يؤدي إلى انفجار آخر، وربما إلى استشهاد أفراد الطاقم العامل”.
وهناك مخاطر أخرى أشار إليها، منها التسمم والعدوى، لأن الطاقم يعمل مع جثامين متحللة، وبعضها قد يحمل أمراضًا يمكن أن تنتقل إلى أفراد الطواقم نتيجة الملامسة المباشرة وعمليات الانتشال.
جرحٌ ينخر القلوب
ومن زاوية أُخرى، تقف عائلات الشهداء على زاوية الركام تُراقب عمل طواقم الدفاع المدني في انتشال أحبائهم يتفقدون الجثامين يميزون أحبائهم من الملابس أو الهوية الشخصية وفي أحيانٍ أخرى يعجزون عن إيجاد علامة تدلهم على صاحب الرُفات، يترك ذلك جرحًا غائرًا في نفوس العائلات والطواقم العاملة.
يقول بصل: “طواقمنا تعاني من آثار نفسيّة كبيرة جدًّا، خصوصًا نتيجة اللقاء الدائم مع العائلات والأسر وذوي المفقودين. وحالتهم النفسية تنعكس على طواقمنا التي تكون موجودة في مواقع الاستهداف، لكننا أمام مسؤوليات إنسانية وأخلاقية، ولا يمكننا الاستسلام أمام هذه الظروف النفسية”.
وبصوتٍ واحد لطواقم الدفاع المدني الذين خسروا 145 ضابطًا من ذوي الخبرة تحت وطأة الإبادة، طالبوا بتوفير الإمكانات والآليات الثقيلة والمعدات، ليتمكنوا من تكثيف الجهود في ملف الشهداء العالقين تحت الأنقاض فهو من أكثر الملفات الإنسانية العالقة إيلامًا ووجعًا.
لا يكاد بيت في غزة يخلو من أحباء فُقد أثرهم تحت خرسانة دمرتها متفجرات مُحرمة، منهم ما يعلم ذويهم تحت أي كومة ركام يقبعون وينتظر دوره، وإن امتد سنوات، ومنهم ما تُرك مصيرهم مجهولًا، حتى حين تمشي بين البيوت المهدمة لسان حالك يقول: “يا ترى أي أرواح ابتلعها هذا الركام؟ أيعرف أن أحباءه موجودون فيه؟ أم ستذوب عظامهم ويبقى الرماد لعنة تُلاحق المُحتل؟”. (بوابة الهدف – مرح عطالله)
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم