الأول نيوز – المحامي الدكتور أحمد ناصر الطهاروه
لا تكتمل العدالة بصدور الحكم؛ فالدائن الذي يمضي سنوات في التقاضي ثم يعجز عن تحصيل حقه يظل يتحمل كلفة نزاع يفترض أن القضاء قد حسمه. ومن هنا تأتي أهمية مسودة مشروع القانون المعدل لقانون التنفيذ لسنة 2026، المنشورة على موقع ديوان التشريع والرأي، والتي تستحق نقاشاً يتجاوز اختزالها في سؤال عودة حبس المدين، إلى السؤال الأهم: هل تضمن وصول الحقوق إلى أصحابها؟
تتضمن المسودة تعديلات مهمة، أبرزها تنظيم التسوية بدفعة أولى لا تقل عن 15% من المبلغ المحكوم به، ودفعات شهرية لا تقل عن 2% من باقي الدين، تبدأ بعد ثلاثين يوماً من إيداع الدفعة الأولى، ما لم يُتفق على خلاف ذلك. كما تُبقي الحد الأقصى للحبس عند ستين يوماً سنوياً عن الدين الواحد، ومائة وعشرين يوماً عند تعدد الديون، وتُبقي حماية المدين العاجز عن الوفاء بالتزام تعاقدي، باستثناء الالتزام الناشئ عن إيجار العقار أو عقد العمل.
وتقترح المسودة إلزام المدين في الديون التجارية، بأمر قضائي بناءً على طلب الدائن، بالتصريح عن مصادر دخله وأمواله خلال سبعة أيام من تبليغه. وتتيح الحجز فور قيد الدعوى التنفيذية إذا كان السند حكماً قضائياً، أما السندات الأخرى فتربط الحجز المبكر بثبوت شروع المدين بتهريب أمواله. كذلك توسع أدوات التنفيذ بمنع السفر، وتضيف إمكان استخدام السوار الإلكتروني في الأحوال التي لا يجوز فيها الحبس.
هذه خطوات إيجابية، لكنها، في تقديري، لا تكفي وحدها لحماية الدائن. فالتصريح المالي يضعف أثره إذا تعذر التحقق من صحته، والقسط الشهري قد يتحول إلى وسيلة لإطالة الوفاء إذا عومل الحد الأدنى باعتباره تسوية كافية مهما بلغت مقدرة المدين. أما السوار الإلكتروني ومنع السفر فلا يقاسان بشدة أثرهما على الشخص، وإنما بجدواهما في تحقيق الوفاء.
وتقدم التشريعات المقارنة أفكاراً جديرة بالدراسة. فنظام التنفيذ السعودي الصادر سنة 2026، والمنشور مع إرجاء نفاذه مائة وثمانين يوماً، ينظم الإفصاح عن الأموال والربط الإلكتروني مع الجهات المشرفة عليها، ويخصص أحكاماً لتتبع الأموال عند وجود قرائن على إخفائها أو تهريبها، ويجرّم تقديم البيانات المضللة وتعطيل التنفيذ عمداً. والدلالة هنا هي بناء قدرة مؤسسية للوصول إلى المال، مع مساءلة السلوك الاحتيالي.
وفي إنجلترا وويلز، تتيح أوامر الحجز على الأجور اقتطاع مبالغ من دخل المدين الموظف عن طريق صاحب العمل، مع إبقاء حد محمي لتغطية الاحتياجات المعيشية الأساسية. ويقدم هذا النموذج فائدة عملية: تحويل التسوية إلى تحصيل منتظم، مع مراعاة قدرة المدين على الاستمرار في العمل والوفاء.
وانطلاقاً من ذلك، أقترح توسيع الإفصاح المالي ليشمل الديون المدنية والتجارية المشمولة بالتنفيذ، وفق ضوابط التناسب والخصوصية، وربطه بالبيانات المصرفية والعقارية والمركبات والحصص في الشركات والمستحقات لدى الغير، بموجب أوامر قضائية ومهل ملزمة للجهات المعنية. فليس من المنصف تحميل الدائن وحده عبء اكتشاف أموال مدينه.
كما أقترح مراجعة كفاية النصوص القائمة لمواجهة إخفاء الأموال والتصريح الكاذب، واستكمالها عند الحاجة بجزاءات واضحة على الأفعال العمدية، وبإجراءات فعالة لتتبع التصرفات الضارة بالدائن والطعن فيها، مع حماية الغير حسن النية. ويجب أن تقوم المسؤولية على سلوك احتيالي مثبت، فلا يصبح مجرد عدم السداد دليلاً على الجريمة.
وتحتاج التسوية المقترحة إلى ضبط أساس احتساب نسبة 2%: هل تحتسب على الرصيد بعد الدفعة الأولى أم على الرصيد المتناقص؟ كما ينبغي إخضاع مقدار الأقساط للمقدرة المالية المثبتة، ومراجعته عند تغير الظروف، وتنظيم التحويل الدوري والحجز على الجزء الجائز قانوناً من الدخل، ضمن خطة تراعي تعدد الدائنين ومراتب حقوقهم.
وأرى ضرورة تحديد شروط السوار الإلكتروني ومدته ومراجعته وطرق الاعتراض عليه في القانون، وضبط منع السفر بقرار مسبب ومراجعة دورية، مع مراعاة الحالات التي يكون فيها السفر للعمل مصدراً جدياً للسداد. فالتدبير الذي يعطل مصدر الدخل قد يضر بالدائن نفسه.
إن نجاح التعديل سيظهر في سرعة التحصيل ونسبته، وانخفاض كلفة التنفيذ، وقدرة القضاء على التمييز بين العاجز والمماطل. وحماية الدائن تقتضي كشف الأموال وحجزها وتحصيلها بفعالية، كما تقتضي حماية المدين العاجز من إجراءات لا تنتج وفاءً. وبهذا التوازن يستعيد الحكم القضائي أثره العملي، وتتعزز الثقة بالعدالة والائتمان.
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم