الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – كنتُ مشاركًا في مؤتمر في إحدى الدول العربيَّة حول موضوع “التربية” وتعدَّى المشاركون الثلاثمئة شخص. معظم المواضيع المطروحة تناولت كيفيَّة التعامل مع الآخرين وحسن التصرُّف من الناحية السيكولوجيَّة والاجتماعيَّة والأخلاقيَّة والإنسانيَّة وحتَّى الدينيَّة… وما لفتني حقًّا هو جوُّ الأخوَّة والانفتاح السائد بين المشاركين. فالثقافة تربية عظمى.
لم يتسنَّ لي أن أتعرَّف إلى جميع المشاركين، وهذا أمر طبيعيّ، لأنَّ عددهم كبير والبرنامج مكثَّف للغاية. وحان موعد إحدى المحاضرات التي تُعتبر رئيسيَّة، فدعا القيِّمون على المؤتمر الصفوف النهائيَّة لإحدى المدارس الرسميَّة للمشاركة في حضور تلك المحاضرة. فاكتظَّت القاعة بالحضور. أمّا أنا فتوجَّهتُ إلى مكاني وإذا برجل كان يسير أمامي يتوقَّف ويعود أدراجه دون أن ينتبه إليَّ فاصطدم بي. تفاجأ للحظة ثمَّ علت وجهَه ابتسامة لطيفة وقدَّم اعتذاره ومدَّ يده مصافحًا، فصافحته. ثمَّ جدَّد اعتذاره واستأذن. وبينما أفكِّر في ما حصل، مرَّ أمامي شابٌّ لم يبلغ الثمانية عشرة من عمره، دعس على رِجلي وتابع طريقه صوب مقعدي. وقفتُ لا أدري ماذا أفعل أو أين أتوجَّه. انتبه أحد المنظِّمين، فتوجَّه إلى الشابّ طالبًا منه أن يترك المكان لي. نظر إليه نظرة مليئة بالغضب وقال له:
– “إنَّني مدعوٌّ مثلَ أيِّ شخص مدعوٍّ في هذه القاعة، وأنا أختار المكان الذي أريد لأقعد عليه.
– لكنَّ هذا المكان مخصَّص للمحاضِرين.
– أليس المحاضر إنسانًا مثلي؟ أنتم ناس تدَّعون احترام الآخرين، ولكنَّكم في الحقيقة حثالة القوم.”
وقام الشابُّ من مكانه متوجِّهًا إلى خارج القاعة، لكنَّ أحد أساتذته أوقفه وأعاده إلى الداخل وأقعده في مكان مخصَّص للطلبة. في هذه الأثناء، صعد إلى المنصَّة صاحب المحاضرة، فإذا هو ذلك الرجل الذي اعتذر إليَّ وصافحني قبل قليل. كم كبر في عينيَّ ذلك الدكتور الذي ألقى علينا محاضرة مملوءة حماسة في كيفيَّة التصرُّف وقت الظروف الصعبة وأنَّ أسلم طريقة لاستيعاب المواقف السلبيَّة هو الاعتذار، إن كنتَ مخطئًا أم محقًّا، فأنتَ تكبر في عينيك قبل أن تكبر في عيني الآخرين. وفي نهاية محاضرته تطرَّق إلى الموقف الذي مرَّ به ناسبًا إيَّاه إلى شخص آخر، وتابع ما جرى مع ذلك الشابّ المتحمِّس، بل المتهوِّر، خاتمًا قوله:
“ما ينقص مجتمعنا هو التمرُّس على التربية الصحيحة. كم نحتاج في عالمنا العربيّ أن نحافظ على بيئة نظيفة فلا نرمي مثلاً قذاراتنا على قارعة الطريق! على أخلاق سليمة فنتصرَّف بلياقة مع كلِّ إنسان نلتقي به! على روح البساطة فلا نعامل الآخرين بفوقيَّة أو بتعجرف أو بتكبُّر! على لسان دافئ فلا نوجِّه انتقادات لاذعة وجارحة بل نعطي الملاحظة البنَّاءة بكلِّ أدب وكياسة، ولا بدَّ من أنَّها تَلقى أذنًا صاغية أفضل من الطريقة الأولى! وأخيرًا على تفكير سليم فلا نحكم على الآخرين ممَّا نراه فيهم من المرَّة الأولى، بل بعد اختبار ودراسة ميدانيَّة. فالحكمة تقول: العاقل إذا أخطأ تأسَّف، والأحمق إذا أخطأ تفلسف!”