الأول نيوز – صلاح أبو هنود
لم تكن “سايكس بيكو” مجرد قلم رصاص عابر رسم خطوطاً هندسية على خارطة ورقية في لحظة استعمارية غابرة، بل كانت، ويا للأسف، طعنةً مسمومة نفذت إلى صميم الوعي الجمعي العربي. لم يكتفِ المستعمر بتقاسم الأرض والماء، بل غرس فينا “فيروساً” فكرياً تغلغل مع مرور العقود في العظم والنخاع، ليعيد صياغة الهوية العربية على مقاسات ضيقة، خانقة، لا تتسع لرحابة الروح أو وهج التاريخ العابر للآفاق.
سؤال الهوية المتشظي: الفخ اليومي
يتجلى خطورة هذا التغلغل في أبسط صور التواصل الإنساني اليومي؛ ذاك الانشغال المفرط، والمريب أحياناً، بجملة “أنت من وين؟”. هذا السؤال الذي يبدو في ظاهره استفساراً بريئاً للتعارف، بات في باطنه محاكمةً مبطنة للهوية، ومحاولةً قسرية لحشر الكائن البشري في زاوية “الرقعة الجغرافية” المحدودة.
لقد استبدلنا “ديوان العرب” الفسيح، الذي كان يمتد من المحيط إلى الخليج بصفتة وطناً للقصيدة والمعنى، ببيوت من الإسمنت البارد تحرسها الأسلاك الشائكة والبنادق. حتى بات الفرد منا، بكل أسف، يُعرّف نفسه بحدوده لا بفكره، وبلون جواز سفره لا بمنظومته القيمية أو الإنسانية. إن هذا “التشييئ” للإنسان وتحويله إلى رقم حدودي هو الانتصار الأكبر لمهندسي التجزئة؛ إذ استطاعوا نقل الحدود من الورق إلى الوجدان.
تشخيص الفيروس: سيكولوجيا الانقسام
إن فيروس “سايكس بيكو” يعمل بآلية خبيثة؛ فهو يقتات على الذاكرة المجتزأة. يبدأ بإقناعنا أن جيراننا “غرباء”، وأن مصالحنا القومية تتوقف عند نقطة تفتيش معينة. هذا الفيروس يضرب مراكز الإبداع فينا، فيجعل الفن محلياً ضيقاً، واللغة مبتورة، والأحلام محاصرة بختم “الخروج والعودة”.
وعندما يسكن هذا المنطق في النخاع، يصبح المرء يدافع عن سجنه بضراوة، ويتحول العقل الجمعي إلى مجموعة من الغرف المعزولة التي لا يجمع بينها سوى جدار الصمت. إننا نعيش حالة من “الأنيميا الثقافية” بسبب انقطاع الدورة الدموية بين أطراف الجسد العربي الواحد، مما أدى إلى وهن العظم وتآكل الهوية الجامعة أمام رياح العولمة والتبعية.
نحت الذاكرة في وجه التجزئة
إن السماح لهذا المنطق بالسيادة المطلقة يعني القبول الطوعي بتفتيت “الإنسان” قبل تفتيت الأرض. وهنا تبرز المسؤولية الأخلاقية والجمالية للكلمة والفن؛ فالمبدع، في جوهره، ليس مجرد ناقل سلبي للواقع أو صدى للأزمات، بل هو “نحات” في جدار الزمن. مهمته الكبرى هي استعادة تلك العصبة الوجدانية، وتلك الروابط الضاربة في عمق الأرض التي لا تعترف بخرائط “سايكس” ولا بوعود “بيكو”.
إننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى ثورة ثقافية شاملة، ثورة لا تستخدم الرصاص، بل تستخدم “المعنى” لإعادة الاعتبار للهوية الجامعة. علينا أن نثبت بالدليل الفني القاطع أن الشعر، واللغة، والفكر الموسيقي، هي أوطاننا الحقيقية الباقية؛ الأوطان التي لا تحتاج إلى تأشيرات دخول، ولا تخضع لمزاجية الجلاد أو عابر السبيل. إن الفن هو الوحيد القادر على اختراق الجدران الإسمنتية ليعيد وصل ما انقطع في الروح العربية.
نحو “وشم” لا يمحوه الزمن
إن مواجهة هذا الفيروس العضال تتطلب مصلاً فكرياً من نوع خاص؛ فنّاً يتجاوز القشور والسطحية ليغوص في العمق الوجداني، ويُذكرنا في كل محفل بأن الوجع العربي واحد، وأن الحلم، مهما تشظى، يظل ينبع من مشكاة واحدة.
عندما نعمد إلى تحويل إرثنا الشعري العظيم وتاريخنا البصري الحافل إلى مشاريع إبداعية وعابرة للحدود، فإننا نبدأ فعلياً بعملية “تطهير” للنخاع من ترسبات الانقسام. إن تحويل الثقافة إلى “وشم على جدار الزمن” يعني أننا نغرس بذور المقاومة الثقافية التي ستنمو يوماً لتكسر قيود التجزئة. نحن بحاجة إلى تحويل “الدقيقة الشعرية” والمشهد البصري إلى رسائل كونية تخاطب الإنسان فينا قبل أن تخاطب انتماءه الجغرافي.
الخلاصة: من نحن؟
لن يشفى العظم من هذا التغلغل، ولن يستعيد النخاع عافيته، ما لم نملك الشجاعة الكافية لإعادة صياغة إجابتنا على السؤال الوجودي: “من نحن؟”.
نحن لسنا مجرد إحداثيات صماء على خارطة رسمها الغرباء في لحظة غفلة؛ نحن ورثة حضارة علّمت العالم الحرف، وحملة رسالة إنسانية تتجاوز العرق واللون والحدود. إن هويتنا الحقيقية لا تبدأ من الجغرافيا، بل تبدأ من حيث تنتهي تلك الحدود المصطنعة، لتعانق فضاء القيم والحرية والجمال. إن الشفاء يبدأ عندما ندرك أن “سايكس بيكو” هي حالة ذهنية يمكن الشفاء منها، وليست قدراً محتوماً يورث للأجيال.
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم