أخبار عاجلة

لا للتنمُّر

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز – كرهتُ المدرسة لأنَّني كنتُ قصيرَ القامة بالنسبة إلى رفاقي. فكان كلُّهم ينعتونني بالقصير. تساءلتُ مرارًا كيف السبيل لأزيد طولي بضع سنتمترات ولا أجد له جوابًا. وفي أحد الأيَّام أتى إلى المدرسة محاضر استطاع أن يسحر جميع التلامذة بكلامه الرائع وأسلوبه الشيِّق، بالرغم من قامته القصيرة. ومنذ ذلك اليوم ما عاد أحد يتجرَّأ على التنمُّر عليَّ، بل راحوا يتنمَّرون على فتاة مسكينة مع أخيها يزيد وزن كلِّ واحد منهما عن المئة، فلم يجدا سندًا إلى جوارهما سواي.

حالة التنمُّر لازمت تلامذة المدرسة طوال سنوات، إلى أن أقبل محاضر تحدَّث عن الأضرار النفسيَّة التي يسبِّبها التنمُّر داعيًا التلامذة إلى احترام بعضهم البعض واتِّخاذ شعار موحَّد “لا للتنمُّر”.

ما زلتُ أذكر تلك الفتاة السمينة، لقد أقدم أخوها على الانتحار إذ رمى بنفسه عن علوٍّ شاهق وهو في الرابعة عشرة من عمره. أمّا هي، وبعد موت أخيها، فقد أخذها والداها إلى أخصَّائيَّة في التغذية لتنقص وزنها. وفي غضون سنة واحدة، استطاعت أن تمتلك جسمًا نحيلاً وجميلاً. وبعد تخرُّجها من المدرسة عملت في حقل التسوُّق كعارضة أزياء.

كثير من الناس يتعرَّضون في حياتهم إلى التنمُّر من أصحاب ومعارف كما من أشخاص يلتقون بهم للمرَّة الأولى. كم من أشخاص يختلفون عنَّا لنقص في الهرمونات، أو لتشوُّه في أجسادهم، أو لإعاقة جسديَّة أو عقليَّة، وحتَّى بلون بشرتهم، يعيشون حالة نفسيَّة صعبة بسبب التنمُّر المتواصل عليهم من قبل الآخرين، بعضهم يستطيع تخطّي حالته بينما آخرون يعيشون الإحباط واليأس وأحيانًا كثيرة النقمة من المجتمع الذي يقلِّل من قيمتهم…

تعرَّفتُ إلى دكتور في علم النفس، إحدى يديه مشوَّهة إذ أصيب في صغره بشلل الأطفال فظلَّت يده صغيرة بالنسبة إلى الأخرى. تعرَّض كثيرًا للتنمُّر من قبل كثيرين، لكنَّه استطاع التغلُّب على عاهته باجتهاده ومثابرته على الدرس والتحصيل حتَّى أضحى أستاذًا محاضرًا في الجامعات، وتتنافس المعاهد على استدعائه لإلقاء محاضرة أو أكثر. وعندما سألته: “ألم تجد صعوبة بسبب التشوُّه الذي أصابك؟” فأجابني: “اتَّخذت لنفسي قرارًا، بسبب العاهة الموجودة في يدي، أن أثابر على الاجتهاد والعلم حتَّى بلغت إلى ما أنا عليه الآن”.

لم يُعطَ في السابق أمر التنمُّر اهتمامًا كبيرًا لدى التربويِّين، بالرغم من انتشاره آنذاك بين التلامذة بشكل خاصّ. أمّا اليوم فعدم التنمُّر يعود في أغلب الأحيان إلى التربية الصحيحة في البيت أوَّلاً وفي المدرسة ثانيًا. فاحترام الآخر، لاسيَّما المختلف عن الآخرين، هو واجب مقدَّس على كلِّ إنسان أن يلتزم به. وبالرغم من ذلك، ما زال التنمُّر يلاحق قسمًا كبيرًا من الناس، ومردُّ ذلك إلى أسباب كثيرة أبرزها النقص في التربية، والحسد أو الغيرة، والتنافس على مهنة معيَّنة أو فنّ معيَّن…

وتبقى الأخلاق الرفيعة هي المقياس الأبرز لأولئك الذين يحافظون على مركز من الرقيّ وعدم المسّ بكرامة الآخرين وشخصيَّتهم.

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

حين تتحول الخلافات الأسرية إلى جرائم…

الأول نيوز – د. أحمد ناصر الطهاروه –    أصبحت الجرائم الأسرية مؤشرات مقلقة تستدعي …