الأول نيوز – لم تعد معاناة سكان قطاع غزة مقتصرة على النزوح أو فقدان المنازل أو الحصار، بل امتدت لتشمل تهديدات بيئية وصحية خطيرة، إذ في مخيمات النازحين، يواجه مئات الآلاف من السكان أزمة متفاقمة نتيجة انتشار القوارض والجرذان داخل الخيام ومحيطها، في ظل ظروف معيشية صعبة وانعدام مقومات النظافة والصرف الصحي.
وقد سجّلت المستشفيات ارتفاعاً ملحوظاً في حالات عضّات الجرذان، إلى جانب مخاوف من تفشي أمراض مرتبطة بهذا الانتشار، ما يزيد من تعقيد الوضع الإنساني والصحي في قطاع غزة.
وتتزايد المخاوف من تداعيات هذا الوضع، مع ارتفاع احتمالات انتشار الأمراض وتسجيل مزيد من الإصابات الناتجة عن لدغات القوارض، ما يعمّق الأزمة الإنسانية والصحية المتفاقمة في القطاع.
رعب ليلي داخل المخيمات
في أحد مخيمات النزوح غرب مدينة غزة، يراقب أبو أحمد المصري أطفاله وهم نائمون، وقد التصقوا ببعضهم خوفاً من عضة جرذٍ لا يهاب البشر.
وفي حديثه يقول المصري: “كنا نخاف من القصف، واليوم نخاف من الجرذان، أما الآن فهي تقيم معنا في الخيمة وكأنها صاحبة المكان”، مضيفاً أنّ “القوارض تنتشر بشكل ملحوظ داخل الخيام ومحيطها، ويزداد نشاطها خلال ساعات الليل، مع تسجيل حالات هجوم وعضّ طالت أطفالاً وكبار سن”.
ويؤكد أنّ عدة أفراد في مخيمه تعرّضوا لحوادث عضّ، وسط مخاوف متزايدة من تفاقم الوضع الصحي، في ظل غياب مقومات النظافة وضعف الإمكانات الطبية داخل المخيمات.
القوارض تتحول إلى تهديد يومي
أما قصة الطفل محمد موسى، الذي لم يتجاوز الرابعة من عمره، فقد تعرّض لعضّة جرذ في خدّه الأيمن أثناء نومه داخل خيمة النزوح.
والد الطفل، خالد موسى، يقول إنّ ما جرى لابنه يعكس حالة غير مسبوقة داخل مخيمات النزوح، موضحاً: “أول مرة أرى مثل هذه الجرذان، عندها جرأة ما كانت موجودة من قبل، برغم أنني كنت أحرس أولادي، لكن لا أعرف كيف غافلني الجرذ ونهش ابني من خدّه، فكل المخيم سمع صراخه من شدة الألم”.
ويبين موسى أنّ انتشار القوارض داخل الخيام أصبح مصدر قلق يومي للعائلات النازحة، في ظل غياب وسائل الحماية وضعف الظروف الصحية، ما يجعل الأطفال بشكل خاص عرضة لمخاطر متزايدة داخل بيئة النزوح.
“عضّة” تهدد ببتر القدم
أما النازح باسل الدحنون، المصاب بالسكري والفشل الكلوي، فيروي تفاصيل إصابته التي تعكس حجم المخاطر الصحية المتفاقمة داخل مخيمات النزوح، بعد تعرضه لعضّة فأر أثناء نومه دون أن يشعر بها، نتيجة فقدانه الإحساس في أطرافه بسبب وضعه الصحي المزمن.
ويقول الدحنون إنّه لم يكتشف الإصابة في حينها، قبل أن يفاجأ بنزيف في قدمه لاحقاً، ليتبين أنه تعرّض لعضّة تسببت بتلوث والتهاب شديدين.
ويضيف أّن حالته الصحية تدهورت بسرعة، ما وضعه أمام خطر حقيقي بتر القدم، في ظل صعوبة الحصول على رعاية طبية مناسبة داخل المخيمات، وتفاقم ظروف النظافة والبيئة الصحية.
ويُعزى هذا الانتشار للقوارض إلى الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية وشبكات الصرف الصحي، إضافة إلى تراكم النفايات حول المخيمات، وتسرب المياه العادمة، فضلاً عن الاكتظاظ السكاني داخل مناطق النزوح، والقيود المفروضة على إدخال مواد مكافحة القوارض، ما أسهم في تفاقم هذه الظاهرة داخل المخيمات بشكل ملحوظ.
بيئة خصبة لانتشار القوارض
بدوره، يقول الباحث في الشأن البيئي المتعلق بالقوارض والحشرات، عبد السلام المجدلاوي، في حديثه ، إن ظهور نوع من القوارض كبير الحجم وذو سلوك عدواني نسبيًا، يُعرف علميًا باسم “الجرذ النرويجي”، يمثل مرحلة متقدمة من أزمة القوارض في غزة، نتيجة تدهور بيئي تراكمي تفاقم بشكل حاد خلال الحرب.
ويوضح المجدلاوي أنّ هذا النوع من القوارض يشير إلى وصول الظاهرة إلى ما يُعرف بـ “مرحلة الانفجار السكاني”، حيث ترتفع أعدادها بشكل كبير، ما يؤدي إلى شدة المنافسة على الغذاء ويدفعها إلى الظهور العلني واتساع نطاق تحركها داخل المناطق السكنية ومخيمات النزوح.
ويشير المختص إلى أنّ التغير الواضح في سلوك القوارض يعكس مستوى الأزمة البيئية، لافتاً إلى أنّ انتشار “الجرذ النرويجي” تحديداً يُعد مؤشراً على حجم الضرر الذي طال البنية التحتية، ما أتاح لهذه الأنواع فرصة للانتشار والسيطرة.
ويختم بأنّ هذا التهديد، برغم أنّه قد يبدو تفصيلاً ثانوياً في سياق الحرب، إلا أنّه بات واقعاً يومياً يفاقم معاناة آلاف العائلات داخل مخيمات النزوح، ويعكس تدهور شروط الحياة البيئية والصحية في قطاع غزة.
تحذيرات طبية من أزمة صحية أوسع
وفي السياق ذاته، تحذّر مصادر طبية من أن انتشار القوارض في قطاع غزة قد يشكّل مقدّمة لأزمة صحية أوسع، في ظل تدهور المناعة العامة وازدياد حالات سوء التغذية بين السكان.
ومن جهته، يقول مدير عام الرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة، موسى عابد، إنّ العيادات الميدانية تستقبل يومياً حالات لأطفال وكبار سن تعرّضوا لعضّات جرذان، خاصة خلال ساعات الفجر، مشيراً إلى أنّ سوء التغذية وغياب التعقيم يزيدان من قابلية الإصابة بمضاعفات خطيرة، بينها “حمّى عضة الجرذ”.
وأوضح عابد أن الأمراض المرتبطة بعضّات القوارض لا تقتصر على الإصابة المباشرة، بل تشمل أيضاً مضاعفات وأمراضاً معدية قد تنتقل عبر البول والفضلات، من أبرزها الكزاز، إلى جانب داء اللِّبتوسبيرا والسالمونيلا والطاعون والتيفوس، لافتًا إلى أنّ هذه الأمراض قد تتفاقم في البيئات المزدحمة وضعيفة الخدمات الصحية، ما يرفع من خطورة انتشار العدوى بين الفئات الأكثر هشاشة، خاصة الأطفال وكبار السن ومرضى المناعة الضعيفة.
وكان وزير الصحة الفلسطيني ماجد أبو رمضان قد حذّر في وقت سابق من تفشي محتمل للأوبئة في قطاع غزة، نتيجة ما وصفه بتصاعد خطير في انتشار القوارض، في ظل التدهور الحاد في الأوضاع البيئية.
عمليات مكافحة أممية مرتقبة
في مواجهة هذه الظاهرة، أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائيUNDP) ) بالتعاون مع البلديات وجهات مختصة، مساعٍ لمكافحة الانتشار الكثيف للقوارض والحشرات في قطاع غزة.
وأفاد البرنامج في بيان صحفي بأنّه جرى التعاقد مع تجار من خارج القطاع لتوريد مواد فعّالة لمكافحة القوارض، بعد استكمال الموافقات اللازمة، على أن يتم إدخالها خلال أيام، تمهيداً لبدء عمليات المكافحة عبر لجان فنية مختصة.
وأوضح أنّ تنفيذ العمليات سيجري بعيداً عن المواطنين نظراً لخطورة المواد المستخدمة، متوقعاً ظهور نتائج أولية خلال الأيام الأولى من بدء التطبيق.
وأشار البيان إلى أنّ الكميات المتوفرة حالياً تكفي لثلاثة أشهر كمرحلة أولى، على أن يتم استكمال التوريد لاحقاً لضمان الحد من انتشار الظاهرة والسيطرة عليها تدريجياً.
ولفت البرنامج إلى أنّ انتشار القوارض في القطاع، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً، بلغ مستويات خطيرة، مع تسجيل حالات نهش طالت عدداً من المواطنين، بينهم أطفال، في ظل تدهور الأوضاع البيئية والمعيشية.
خطر مزدوج
في هذا الحيّز الضيّق من الحياة داخل خيام النزوح، تتقلّص تفاصيل العيش إلى مساحة هشّة يطغى عليها الخوف والمعاناة.، إذ لم يعد التهديد مقتصراً على ما يأتي من السماء، بل امتد أيضاً إلى الأرض، حيث تتسلل المخاطر من تحت الأقدام وحواف الأغطية وفجوات الخيام المهترئة.
وبين انشغال المشهد العام بملفات الحرب والسياسة، تبقى حياة النازحين معلّقة بين مصدرين متلازمين للخطر: ما يُقصف من الأعلى، وما يزحف بصمت من الأسفل. ( بوابة الهدف)