الاول نيوز – د. أحمد ناصر الطهاروه
في الخامس عشر من أيار من كل عام، تستحضر الأمة العربية كلها واحدة من أكثر المحطات قسوة في تاريخها الحديث؛ تلك اللحظة التي كانت بداية مشروع اقتلاع شعب، ومحاولة محو هوية، وإعادة تشكيل الجغرافيا بالقوة والدم والنار.
ثمانية وسبعون عامًا مرّت على نكبة فلسطين، وما زالت صور التهجير واللجوء والمجازر حاضرة في الذاكرة العربية، وكأن الزمن لم يتحرك. قرى أُزيلت من الخرائط، ومدن تغيّرت معالمها، ومئات آلاف الفلسطينيين الذين خرجوا من بيوتهم على أمل العودة بعد أيام، فتحولت الأيام إلى عقود، وبقي المفتاح شاهدًا على وطن لم يسقط من الذاكرة.
النكبة كانت زلزالًا غيّر وجه الشرق الأوسط بأكمله. فمنذ عام 1948، دخلت المنطقة في دوامة صراعات وحروب وتحولات استراتيجية ما تزال آثارها مستمرة حتى اليوم. وما يزيد من عمق المأساة أن الاحتلال لم يكتفِ بالسيطرة على الأرض، بل سعى إلى كسر الرواية الفلسطينية نفسها، ومحاولة تقديم الضحية باعتبارها الجاني، والمحتل باعتباره صاحب حق تاريخي.
لكن الحقيقة التي أثبتتها العقود الطويلة، أن الشعوب قد تُهزم عسكريًا، لكنها لا تموت ما دامت تحمل ذاكرتها وهويتها. ولهذا بقي الفلسطيني متمسكًا بحقه، سواء كان في القدس، أو غزة، أو الضفة الغربية، أو في مخيمات اللجوء، أو في الشتات البعيد.
وفي كل عام، تؤكد ذكرى النكبة أن القضية الفلسطينية قضية شعب وحقوق وهوية وعدالة تاريخية. كما تؤكد أن محاولات تجاوز القضية أو تهميشها أو إنهاكها سياسيًا لم تنجح، لأن فلسطين بقيت حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي والإنساني.
الأردن، بحكم الجغرافيا والتاريخ والدم، كان وما يزال في قلب القضية الفلسطينية. فقد حمل الأردن عبء اللجوء، وامتزجت التضحيات الأردنية والفلسطينية على أسوار القدس وفي معارك الدفاع عن الأرض والمقدسات. كما بقي الموقف الأردني، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، ثابتًا في الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، وعاصمتها القدس الشرقية، ورفض مشاريع التهجير والتوطين والوطن البديل.
إن أخطر ما تواجهه القضية الفلسطينية اليوم هو محاولة تحويل المأساة إلى أمر اعتيادي في الوعي العالمي، وكأن القتل والتهجير والحصار والاعتداء على المقدسات أصبحت مشاهد يومية بلا أثر. وهنا تكمن مسؤولية الإعلام، والمثقفين، والسياسيين، وكل صاحب ضمير، في إبقاء الرواية الفلسطينية حيّة، وعدم السماح بتزييف التاريخ أو طمس الحقيقة.
ذكرى النكبة يجب أن تتحول إلى حالة وعي قومي وإنساني، تدرك أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن الشعوب التي تتمسك بحقها لا يمكن أن تُهزم مهما طال الزمن.
ستبقى فلسطين قضية حق، وستبقى النكبة شاهدًا على ظلم تاريخي لم ينتهِ بعد، وعلى شعب ما زال يقاوم من أجل أن يعود إلى أرضه، ويرفع علمه فوق ترابه الوطني الحر.
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم