الأول نيوز – د. حسين سالم السرحان
البطولة بعد انتهاء المعركة، ليست بطولة.
والحكمة التي تأتي بأثر رجعي، لا تغيّر واقعًا، ولا تبني وطنًا.
في السنوات الأخيرة، بات المشهد الإعلامي على وجه الخصوص، مزدحمًا بحلقات “البودكاست” والمنصات الحوارية التي تحولت لدى بعض المسؤولين والنواب السابقين والحاليين إلى مساحة لاستعراض البطولات المتأخرة، واستدعاء قصص الفساد والإخفاقات بعد مغادرة المواقع أو بعد أن تصبح الكلفة السياسية للكلام منخفضة.
المشكلة ليست في كشف الفساد، فمحاربة الفساد واجب وطني وأخلاقي لا يختلف عليه اثنان، بل إن الدول القوية تُبنى على الرقابة والمساءلة والشفافية. لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في هذا النمط من “الحكمة بأثر رجعي”، حيث يخرج علينا بعض من كانوا جزءًا أصيلًا من المشهد السياسي والمؤسساتي ليقدموا أنفسهم فجأة بوصفهم شهودًا على الخراب، وكأنهم كانوا خارج دائرة القرار والتأثير، لا في قلبها.
الأردنيون اليوم، شيبًا وشبانًا، لم يعد لديهم ترف الإصغاء إلى خطابات التشكيك المجردة التي لا تقدم حلولًا ولا تعترف بالمسؤولية. الناس مثقلة بأعباء الحياة اليومية، بالبطالة وغلاء المعيشة والقلق على المستقبل، ولذلك فإن أي خطاب عام ينبغي أن يكون مسؤولًا، متزنًا، ويهدف إلى البناء لا إلى زيادة منسوب الإحباط والغضب وفقدان الثقة بالمؤسسات الوطنية.
ما يثير الاستغراب حقًا أن بعض من يطلقون هذه التصريحات أمضوا سنوات طويلة تحت قبة البرلمان أو في مواقع رسمية مختلفة، وبعضهم أعاد ترشيح نفسه مرة ومرات، وخاض الانتخابات بكل حماسة، بل وطلب ثقة الناس مجددًا. وهنا يبرز السؤال الأخلاقي والسياسي المشروع:
إذا كنتم ترون كل هذا الفساد، وكل هذا التشويه، وكل هذا الانهيار الذي تتحدثون عنه اليوم، فأين كانت مواقفكم حين كنتم في مواقع المسؤولية؟
ولماذا استمررتم في الترشح والعودة إلى المشهد ذاته؟
وهل كنتم جزءًا من هذا الواقع أم مجرد متفرجين عليه؟
ثم بأي منطق يريد البعض إقناع الناس بأنه وحده الأكثر طهرًا ونقاءً، بينما الجميع – من وجهة نظره – كانوا غارقين في الفساد؟
إن النقد الحقيقي لا يكون عبر المزاودة الإعلامية ولا عبر تصفية الحسابات الشخصية أمام الكاميرات، بل عبر مواقف واضحة تُتخذ في وقتها، وقرارات شجاعة تُدفع أثمانها عندما تكون الكلفة عالية، لا بعد انتهاء الدور وانطفاء الأضواء.
الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب المتكرر يساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تقويض ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، وفي ترسيخ قناعة خطيرة مفادها أن كل ما جرى ويجري كان عبثًا وفسادًا وانعدامًا للكفاءة. وهذه ليست معارضة وطنية مسؤولة، بل خطاب يهدم أكثر مما يبني، ويزرع الشك أكثر مما يقدم حلولًا.
الدولة الأردنية، رغم كل التحديات والأخطاء، ليست مجرد أشخاص عابرين في المناصب، بل هي تراكم مؤسسات وتضحيات وتجارب وطنية كبيرة. ومن الظلم اختزال تاريخ كامل من العمل العام بخطابات انفعالية متأخرة هدفها تصدّر المشهد أو إعادة التموضع السياسي.
المواطن الأردني لا يريد خطبًا غاضبة ولا اعترافات متأخرة، بل يريد وضوحًا ومسؤولية ومصارحة حقيقية تبدأ أولًا بالاعتراف الذاتي: ماذا قدم كل واحد ممن يتحدثون اليوم عندما كانوا في مواقع القرار؟ وما الذي منعهم حينها من قول ما يقولونه الآن؟
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم