الثلاثاء , يوليو 7 2026

حتمية الجذور وصراع الأدعياء في فلسطين

الأول نيوز – صلاح أبو هنّود
مخرج وكاتب
تتحول الأرقام التاريخية في كثير من الأحيان إلى مجرد جردة حساب جافة، تنشغل بها مراكز الأبحاث وكتب التوثيق. لكن، حين يتعلق الأمر بفلسطين، فإن التاريخ يتخلى عن حياده البارد ليصبح ساحة لصراع الوجود، ومختبراً يكشف زيف الطارئ أمام رسوخ الأصيل.
مؤخراً، أعاد التراشق الكلامي بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس التركي رجب طيب أردوغان فتح تلافيف الذاكرة الاستعمارية والإمبراطورية؛ حيث تذرع الأول بالرواية التوراتية وممالك العصر الحديدي ليبرر احتلالاً استيطانياً حديثاً، بينما غازل الآخر نوستالجيا النفوذ العثماني الغابر. في هذا المشهد، يتجلى بوضوح صراع “الأقنعة الأيديولوجية” والذاكرات المستعارة، حيث يقف طرفان كلاهما يحمل إرثاً احتلالياً أو طمعاً توسعياً، ليتنازعا على أرض لا تقبل بطبيعتها سوى الحقيقة العارية. ومن رحم هذا المشهد بالذات، تولد القراءة الفلسفية الملحمية للتاريخ: إنها حتمية انتصار أهل الأرض، وسقوط الأدعياء في انتظار الهزيمة النهائية لكل غازٍ.
أولاً: أرقام عابرة وجغرافيا لا تقبل الابتلاع
حين نعود إلى سجلات التاريخ البعيد، نجد أن فترات الحكم اليهودي القديم (العبراني) في أجزاء من فلسطين—ممثلة في المملكة الموحدة ومملكتي يهوذا وإسرائيل، ثم العهد الحشموني لاحقاً—لم تتجاوز في مجموعها السيادي والاستقلالي ما بين 350 إلى 400 عام، وهي فترات لم تشمل قط كامل الجغرافيا الفلسطينية بل تركزت في المرتفعات الداخلية، تاركة السواحل لأهلها الكنعانيين والفلستيين.
هذه القرون القليلة، إذا ما قيست بآلاف السنين من الحضارة الكنعانية المستمرة، أو بأكثر من اثني عشر قرناً من الحكم العربي والإسلامي المتواصل، تبدو كأشهار عابرة في عمر الزمان. إن علم التاريخ يخبرنا بوجود نوعين من العناصر: العناصر الطارئة (الإمبراطوريات والممالك الوافدة) والعنصر الثابت (الأرض والإنسان الملتصق بها). لقد مرت على هذه الجغرافيا جيوش بابل، وآشور، والفرس، والإغريق، والرومان، والبيزنطيين، والفرنجة؛ كلهم جاءوا مدججين بالحديد، وظنوا أنهم نقطة الختام، فإذا بهم يتحولون إلى سطور في كتاب يقرؤه أصحاب الأرض، الذين امتزجت دماؤهم بالطين منذ فجر الوعي البشري.
ثانياً: عقدة “الأدعياء” والهزيمة المؤجلة
في الفلسفة السياسية، يُعرف الغازي بأنه “مدّعٍ” (Pretender)؛ لأنه يعيش دائماً هاجس الزوال، ويحتاج إلى ترسانة مستمرة من الجدران، والقوانين الإحلالية، والخطابات الحماسية ليقنع نفسه بأنه صاحب المكان. إن السيادة القائمة على الاقتلاع هي سيادة قلقة ومذعورة، تحكم بالقوة العسكرية المحضة، والقوة صعود صعود وهبوط.
‎إن حتمية التاريخ والعدالة الكونية لا تجامل الإمبراطوريات، ولا تحفظ عروش البغاة. التحالفات الإقليمية تتبدل، وموازين القوى تتغير، والحديد يصدأ، أما الإنسان المستند إلى زيتونه، ومقابر أجداده، وعدالة قضيته، فهو النبت الطبيعي الذي لا يمكن شطبه من المعادلة. إنها ليست مجرد مسألة وقت، بل هي عقيدة تاريخية على راسخة: الأدعياء إلى زوال، والنصر الأخير—مهما طال ليل الانتظار—مكتوبٌ باسم أهل البلاد

عن Alaa Alnaji

شاهد أيضاً

فلسفة الانتماء: لماذا نحب الأوطان ونموت من أجلها؟

‎الأول نيوز – صلاح ابو هنّود – مخرج وكاتب ‎حب الأوطان والتضحية من أجلها ليس …