الاول نيوز – صلاح ابو هنّود
مخرج وكاتب
تأتي على الوجود لحظات تاريخية فارقة يختلط فيها الحابل بالنابل؛ فتتداخل المفاهيم، وتتساوى الأضداد، وتُغمر المعاني السامية في سيول متدفقة من السطحية والابتذال. في مثل هذه اللحظات، لا يعود «الفرز» مجرد خيار فكري أو موقف نقدٍ عابر، بل يرتقي ليصبح ضرورة وجودية وموقَفاً أخلاقياً أصيلاً لا غنى عنه لصيانة الجوهر الإنساني وحماية المعنى من التفكك والاندثار.
إن الفرز ليس محصوراً في ساحة الفن والأدب وحدها، بل هو قانون بقاء يسري على كل نشاط بشري فوق هذه الأرض. فعندما تتشابه الأقنعة وتتوارى المقاييس في الفكر، والمجتمع، والسياسة، والعمل، يغدو الفرز هو الأداة الوحيدة لمنع الانهيار الشامل، واستعادة البوصلة وسط هذا الضجيج.
أبعاد الفرز كفعل وجودي ومعرفي
البعد المعرفي: التمييز بين «الجوهر» و«العَرَض»
عيش العالم اليوم سطوة «المشهد» على حساب «المضمون»، وحضور «الصدى» على حساب «الصوت الأصيل». وهنا يتدخل الفرز كفعل تفكيك وتنقيب؛ يُجرّد الظواهر من بهارجها الزائفة ليفحص المعدن الصلب بالداخل. وبدون هذه العملية المعرفية، يتحول النشاط الفكري إلى تراكم كمّي عشوائي، بينما الفرز هو ما يحوّل المعارف العابرة إلى حكمة راسخة وبناء حضاري صلب.
البعد الوجودي: صيانة الكينونة وحماية الأثر
حين تُساق المجتمعات نحو القوالب الجاهزة والاستهلاك الخاطف، يصبح المبدع والمفكر مهدداً بالذوبان في الهامش. الفرز في هذا السياق هو إرساء للحدود وتأكيد للاستقلالية؛ إنه الخط الفاصل الذي يحمي كينونة الإنسان ورؤيته الخاصة، ليضمن أن ما يُبنى اليوم ليس مجرد فقاعة زائلة، بل أثرٌ جليلٌ ينحفر على جدار الزمن.
البعد الأخلاقي: مسؤولية الموقف والشجاعة
الفرز ليس انسحاباً أو تقوقساً، بل هو ممارسة صريحة للشجاعة الفكرية. في زمن يُجرّ فيه العقل إلى التقبل السلبي تحت ذريعة المألوف أو السائد، يأتي الفرز ليكون رفضاً واعياً ورفيعاً للانصياع. إنه انحياز دائم للحق، والعدل، والجمال الأصيل، ووفاءٌ متين للقضايا الكبرى في مواجهة التسطيح والتجهيل.
الخاتمة
إن الفرز في جوهره هو إعادة العقل إلى عرشه، وممارسة واعية لحق التمييز الذي منحته الحياة للإنسان. وبدونه، لا يختلط الحابل بالنابل فحسب، بل تفقد الأفكار بوصلتها، وتتساوى الأشياء كُلها… وإذا تساوت الأشياء، فَقَدت معانيها، وصار الوجود حركةً بلا اتجاه.
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم