السبت , أغسطس 1 2026

الأردن ليس ساحةً مستباحة… بل قلعةٌ تُحبط المؤامرات

الاول نيوز – د. حسين سالم السرحان

لقد اعتاد الأردنيون، عبر تاريخهم، أن يعيشوا في قلب الأزمات دون أن يسمحوا لها بأن تكسر إرادتهم. فمنذ عقود، واجهت المملكة تحديات سياسية وأمنية واقتصادية وإقليمية متلاحقة، ومع ذلك بقيت الدولة متماسكة، ومؤسساتها تعمل بكفاءة، وجيشها وأجهزتها الأمنية يحظيان باحترام إقليمي ودولي، بفضل الاحترافية والانضباط والجاهزية والكفاءة العالية.

في عالمٍ يموج بالصراعات، وتتنازع فيه المصالح الإقليمية والدولية، تبقى الدول القوية هي تلك التي تمتلك مؤسساتٍ راسخة، وقيادةً حكيمة، وشعبًا يلتف حول وطنه في أوقات الشدة قبل الرخاء. والمملكة، منذ التأسيس، أثبتت أنها ليست مجرد بقعة جغرافية في قلب الشرق الأوسط، بل وطنٌ صلب، ودولةٌ عصية على الانكسار، وقادرة على حماية سيادتها وحدودها مهما تعاظمت التحديات.

لم يكن الإعلان عن إحباط القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي – محاولة تهريب كمية كبيرة من المواد المخدرة بواسطة طائرة مسيّرة على الواجهة الجنوبية مجرد خبر أمني عابر، بل رسالة واضحة بأن حدود الأردن ليست مستباحة، وأن أعين جنوده لا تنام، وأن كل محاولة للمساس بأمن الوطن ستتحطم أمام يقظة أجهزته العسكرية والأمنية.

وكذلك، لم يكن هذا الحدث معزولًا عن سياق إقليمي بالغ التعقيد، تتشابك فيه شبكات تهريب المخدرات مع جماعات مسلحة ومصالح سياسية تتجاوز مجرد الاتجار بالممنوعات. فالمخدرات اليوم لم تعد تجارة غير مشروعة فحسب، بل أصبحت، في كثير من مناطق العالم، أداةً لإضعاف المجتمعات، واستنزاف الاقتصادات، وضرب النسيج الاجتماعي، وارتفاع معدلات الجريمة والعنف الأسري. ومن هنا، فإن حماية الوطن من هذه الآفة ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، وإنما مسؤولية وطنٍ بأكمله.

وفي السياق ذاته، فإن ما نُقل عن مصدر رسمي أردني من أن الأردن أبلغ العراق بأنه سيرد على أي اعتداء يستهدفه من قبل الميليشيات المرتبطة بإيران وإحدى أذرعها في المنطقة، إذا تعرض لهجوم، يعكس ثباتًا في العقيدة السياسية والأمنية الأردنية، التي تقوم على مبدأ واضح: الأردن لا يعتدي على أحد، لكنه لا يسمح لأحد بالاعتداء عليه. إنها رسالة ردع عقلانية تؤكد أن الدولة الأردنية تتعامل مع أمنها القومي باعتباره خطًا أحمر لا يقبل المساومة أو التردد.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول في هذه المرحلة ليس فقط التهديد العسكري أو الأمني، وإنما محاولات استهداف الوعي الوطني، عبر بث الشائعات، وصناعة الإحباط، وتأليب الرأي العام، وإضعاف الثقة بالمؤسسات الوطنية. ولذلك، فإن معركة الأردن اليوم ليست على الحدود فحسب، بل تمتد إلى الفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تتحول الكلمة المسمومة، والشائعة المغرضة أحيانًا، إلى سلاح لا يقل خطورة عن الرصاصة.

ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تفرض على الجميع أن يكونوا شركاء في حماية الجبهة الداخلية، من خلال تحري الحقيقة، وعدم الانجرار خلف الأخبار المضللة، ودعم مؤسسات الدولة، وإدراك أن الاختلاف في الرأي لا يجوز أن يتحول إلى إضعاف للوطن أو تشكيك بقدراته. فالدولة القوية لا تُبنى بالأجهزة الأمنية وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بثقة مواطنيها، ووحدة صفهم، ووعيهم بحجم التحديات التي تحيط بهم.

لقد أثبت الأردن أن الحكمة لا تعني التردد، وأن ضبط النفس لا يعني الضعف، وأن الدفاع عن السيادة ليس شعارًا إعلاميًا، بل ممارسة يومية تتجسد في قرارات الدولة ومواقفها، وفي بسالة الجيش العربي، ويقظة الأجهزة الأمنية، والتفاف الشعب حول وطنه.

إننا اليوم أحوج ما نكون إلى خطاب وطني جامع، يعزز الثقة ولا يزرع الخوف، ويرسخ الانتماء ولا يغذي الانقسام، ويؤكد أن الأردن سيبقى، كما كان دائمًا، واحة أمن واستقرار في منطقة تعصف بها الأزمات.

سيظل الأردن قويًا لأن قوته ليست في السلاح وحده، بل في شرعية دولته، وتماسك شعبه، واحترافية مؤسساته، وعمق انتماء أبنائه. وستظل بلادنا عصية على الاختراق ما دام خلفها رجال أقسموا أن يبقى الوطن عزيزًا، وأن تبقى حدوده مصانة، وأن يبقى أمنه فوق كل اعتبار.

ففي اللحظات الفاصلة من تاريخ الأمم، لا يكون السؤال: ما حجم الأخطار؟ بل يكون السؤال: هل نحن على قدر المسؤولية؟ والإجابة في الأردن كانت دائمًا: نعم… وستبقى نعم، لأن هذا الوطن لم يُبنَ بالصدفة، ولن يُحمى إلا بوحدة أبنائه، والتفافهم حول قيادتهم الهاشمية، وجيشهم العربي، وأجهزتهم الأمنية، وإيمانهم الراسخ بأن الأردن سيبقى قلعةً منيعة، لا تهزها الرياح، ولا تنال منها المؤامرات، ولا تنكسر أمام التحديات.

حفظ الله الأردن، قيادةً وشعبًا وجيشًا وأجهزةً أمنية، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار والعزة.

عن Alaa Alnaji

شاهد أيضاً

القهوة بين الخوارزميات ورغبة المستهلك

الاول نيوز – الدكتور زيدون محمود المساد تنعكس في عالم المقاهي اليوم ظاهرة بصرية واقتصادية …