الأول نيوز – صلاح ابو هنّود
مخرج وكاتب
في المشهد الجيوسياسي المعاصر، تتخذ الحروب أشكالاً خفية أكثر دموية وتدميراً من الآليات العسكرية التقليدية؛ ولعل أبرز هذه الأساليب وأخبثها هو توظيف “تجارة السموم والمخدرات الممنهجة” كأداة استراتيجية لهدم الدول من الداخل وتفريغ المجتمعات من مناعتها. لم يعد الأمر مجرد نشاط إجرامي عابر للقارات أو عصابات تبحث عن الربح المادي السريع، بل تحول في استراتيجيات بعض القوى والمليشيات الوكيلة إلى سلاح بيولوجي ونفسي مُدمر يُقصد به اغتيال الوعي الجمعي في جوارها العربي وفرض هيمنة تقوم على أنقاض العقول المدمرة.
هندسة التدمير الممنهج: كيف يُستهدف الوعي؟
تدرك القوى التي اتخذت من الفوضى عقيدةً لها أن احتلال الأرض لا يكتمل إلا باحتلال العقول. من هنا جاء الارتكاز على إغراق المجتمعات المجاورة – ولا سيما فئة الشباب – بأنواع قاتلة ومصنعة خصيصاً للتدمير العصبي والنفسي.
إن استهداف الوعي عبر المخدرات يهدف إلى تحقيق أهداف شيطانية ثلاثية:
تخدير الإرادة: تحويل الأجيال القادرة على الإنتاج والتفكير والنقد إلى طاقات مستهلكة ومنهكة بالتبعية العضوية والنفسية، عاجزة عن المقاومة أو رفض الظلم.
تفكيك النسيج القيمي: ضرب الروابط الأسرية والأخلاقية التي تشكل الحصن الأخير في وجه أي انهيار مجتمعي.
صناعة مقاتل بلا ضمير: الاعتماد على إعطاء هذه المواد للعناصر المسلحة والمليشيات الطائفية لتحويلهم إلى أدوات صماء تفقد القدرة على التمييز، وتتجرّد من أبسط القواعد الإنسانية والأخلاقية، مما يفسر الوحشيّة والاندفاع الانتحاري الأعمى في ارتكاب أبشع الجرائم دون وازع أو رادع.
وهم السيطرة: لماذا فشلت التجارب التاريخية؟
إن الرهان على تدمير الشعوب عبر السموم هو رهان خاسر بطبيعته، والتاريخ الحديث يزخر بالشواهد على فشل القوى التي حاولت استخدام هذا السلاح. فعلى مدى عقود، حاولت قوى كبرى واستخبارات دولية غض الطرف عن تجارة المخدرات أو توظيفها لتمويل صراعات أو زعزعة استقرار دول، لكن النتيجة كانت دائماً ارتداد السحر على الساحر.
فعندما تغيب المعايير الأخلاقية، تفقد الأنظمة والجهات الراعية أي غطاء شرعي وتتحول إلى كيانات مارقة مدانة إنسانيا وأخلاقيا. والأهم من ذلك، أن المجتمعات الحية التي تمتلك جذوراً حضارية وعقائدية عميقة تكتشف عاجلاً أم آجلاً حجم الخطر، وتنتفض لترميم مناعتها وحماية أبنائها، ليتحول هذا السلاح المؤقت إلى وبال ومقبرة سياسية وأخلاقية لمن صنعوه واستخدموه.
الخندق الأمامي: معركة الأردن الفاصلة
في قلب هذه العاصفة، يقف الأردن الشامخ بجيشه العربي المصطفوي وأجهزته الأمنية ووعي شعبه كحصن منيع وسدّ ذو بأس شديد. إن ما تقوم به القوات المسلحة الأردنية على الواجهتين الشمالية والشرقية ليس مجرد حراسة تقليدية للحدود، بل هو دفاع استرايجي عن كرامة الإنسان العربي ووعيه.
لقد أثبت الأردن -عبر تعديل قواعد الإشتباك، والتعامل بحزم ناري مطلق مع الطائرات المسيّرة وشبكات التهريب، والتكامل الاستخباراتي والمجتمعي- أن محاولات إسقاط الدول عبر السموم ستتحطم على صخرة اليقظة الصلبة. إن المعركة الأردنية هي معركة وجود وبقاء، عنوانها الأبرز: أن حماية عقول الأجيال لا تقل أهمية عن حماية الأرض والجغرافيا.
حصانة الوعي: طوق النجاة الأخير
إن أي استراتيجية لمواجهة هذا الخطر الخطير يجب ألا تقتصر على الجانب الأمني والعسكري فحسب، بل يجب أن تُتوج بـ ثورة وعي وطنية وثقافية تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة والمنبر الإعلامي والديني.
حين يعلم الشاب الغايات الخبيثة من خلف هذه السموم، وحين تدرك المجتمعات أن المستهدف الحقيقي هو هويتها واستقلال إرادتها، تفقد هذه الأسلحة فعاليتها المسمومة. تبقى الأوطان الحية تنبض بيقظة أبنائها، ومهما اشتدت محاولات التغيب والتدمير الممنهج، فإن نور الوعي وإرادة الحياة سيبقيان دائماً أقوى بكثير من عتمة الإدمان ومشاريع الخراب.
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم