فاطمة ناعوت
الأول – نفدت الطبعةُ الأولى من كتابي الجديد: “حوار مع صديقي المتطرف” بعد أيام قليلة من صدوره بمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2017، وجارٍ الآن طباعةُ الثانية، وهذا أمرٌ طيّب. لكنَّ غيرَ الطيب هو اكتشافي أن التطرّف أصبح نهجًا مقدّسًا وأسلوبَ حياة يوميًّا قارًّا وثقافةً متجذّرة في الذهنية العربية في مصر، وخارجها.
ثمّة تطرفٌ “عَقَديّ” لدى “المتأسلم”، الذي يرفض كلَّ مَن ليس على عقيدته، وثمة تطرفٌ عَقَدي لدى “المتأمسح” الذي يرفض كلَّ مَن ليس على عقيدته، ثُمّ هناك تطرفاتٌ “مذهبيّة” تجعل السُّنيَّ يرفض الشيعيَّ، والعكس، وتجعل الأرثوذوكسيَّ يرفض الكاثوليكيَّ والإنجيليَّ والعكس. وداخل كل عقيدةٍ مذاهبُ وطوائفُ ونِحَلٌ، وداخل كل مذهبٍ مذاهبُ وفي كل طائفةٍ طوائفُ، وبقلب كل نِحلةٍ نِحلٌ ونِحَل؛ إلى ما لا نهاية، كلٌّ منها تُكفّرُ الأخرى وتُقصيها عن حظيرة الإيمان الحقّ! وربما كلُّ ما سبق معروفٌ وغير جديد، وهو عينُ ما نناهضه نحن دعاةَ التنوير المنادين بقانون “الإنسان”؛ الذي يقول: “الدينُ لله؛ والوطنُ والأرضُ والحبُّ للجميع.”
لكنني اكتشفتُ قُبيل صدور الكتاب، وأثناء الإعلان عنه أن هناك تطرفًا جديدًا، بدا صوتُه خارجًا، للأسف، من خندقنا التنويريّ، يرفضُ أن أسمي “المتطرّف” صديقًا، ويسخر من محاولة محاورته، كما ينصُّ عنوان الكتاب: “حوارٌ مع صديقي المتطرّف”!!!!
وحين نردُّ مفردة “التطرّف” إلى أصلها اللغوي، نجدها من الجذر: “طَرَفَ” والاسم: “طَرَفٌ: طرفُ الخيطِ مثلا؛ أي آخره، أو طرف الطريق؛ يعني: منتهاه أو أقصاه. قد يكون أقصاه الأيمن، أو أقصاه الأيسر. تطرّفتِ الماشيةُ، أي صارت بأطراف الحقل. تطرّفتِ الشمسُ: إذا مالت نحو الغروب. تطرّف في أفكاره: أي تجاوز حدّ الاعتدال أو نأى عن الحدود المعقولة. وهكذا.
وفي حفل توقيع الكتاب ومناقشته في معرض القاهرة الدولي للكتاب أول أمس، وبعدما قرأ وزير الثقافة الأسبق الناقد د. شاكر عبد الحميد عرضًا تحليليًّا موجزًا للكتاب، بدأ الهجوم على الكتاب قبل قراءته! فنحن قومٌ يقرأ قليلُنا وينتقدُ كثيرُنا ما لم نقرأ. بعضُ المهاجمين اكتفى بالعنوان: وشرع في محاربته، والبعض قرأ مجرد “الإهداء” وفقط، ثم بدأ في محاربة الكتاب، دون أن يقلب الصفحة الأولى!
نصُّ الإهداء يقول:
“إلى “غاندي” و”جبران” و”مُحيي الدّين بن عربي” و”الوليد بن رُشد”؛ وسواهم من رُسُل السّلام والمحبّة: أنتم آبائي الذين سِرتُ على دربِهم، الحقَّ الحقَّ أقولُ لكم:البراءةُ التي حاولتم غرسَ بذورها في أعماقِنا، نحنُ تركناها تموتُ، ويتسرّبُ رحيقُها من بين أصابعنا. فضحكتْ البغضاءُ..”
قرأ أحدُهم اسم “ابن عربي” في صدر الإهداء، فجُنّ جنونُه. ومثلما لم يقرأ كتابي ليعرف ما به قبل الانقضاض عليه انقضاضَ ضرير على طريدة لا يُبصرها، اكتشفنا، نحن حضورَ حلقة النقاش، أنه لم يقرأ “ابن عربي” ليلمس عمقَ إيمانه، قبل أن يرميه بالكفر والمروق وادّعاء الإلوهية، كما زعم!
لن أقول للمتطرف: “كفّ عن تطرّفك، واترك طرفَ الخيط قبل أن تشنقنا به”، فذاك النمطَ من الخاسرين إن اعتدلَ واستقام، مات. لكنني أقول فقط: “اقرأ وافهمْ وتعمّقْ واتركِ القشرةَ المخادعة وتغوّلْ في الغور السحيق للفكرة، حتى تفهم. فإن فهمتَ واستوعبتَ، أهلا بك في ساحة النقاش والعصف الذهنيّ حتى نقفَ على أرض مشتركة من الإنسانية والتعقّل، بعيدًا عن الغوغائية والببغائية والحنجورية الشاغرة.
وكما كتب أفلاطون على باب “أكاديميا” التي كان يحاور فيها تلامذته جوار حديقة أكادموس بأثينا في القرن الرابع قبل الميلاد: “مَن لا يعرفُ الرياضيات ومن ليس مهندسًا لا يدخل علينا”، أقول لأصدقائي المتطرفين: “مَن لا يعرف غير قراءة العناوين القشرية، ومذاكرة ليلة الامتحان، لا يدخل علينا.”
الحوار المتمدن
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم