أسامة الرنتيسي
مهما كانت الصيغة التي اعتذرت بها وزيرة السياحة لينا عناب عن سوء أوضاع المرافق الصحية في مواقع أثرية وسياحية، فاعتذارها غير مقبول، ويكشف عن حجم تضخم العمل المكتبي واجتماعات اللجان والأوامر الفوقية التي تعمل بها وزارة السياحة عموما، والوزيرة تحديدا.
فهل كنّا فعلا بحاجة إلى احتجاج السائح الأميركي حتى نعلم حجم السوء الذي تعيشه مرافقنا السياحية، وهل هذا هو الاحتجاج الاول الذي وصل مسامع وزيرة السياحة عن الحال التي تعيشها المرافق الصحية في المواقع الاثرية.
لا تتحمل وزيرة السياحة وحدها نتائج واقع الحال الذي يعيشه قطاع السياحة في الأردن، بل يتحمله من يأتي بوزراء لا يعرفون جيدا مهام وزاراتهم، ولا قيمتها في عجلة الاقتصاد الوطني، بل لا يعرفون أن دخل السياحة يحتل رقم 2 في دعم موازنة الدولة بعد الضرائب.
تأكدوا تماما أن خطابا مثل خطاب وزيرة السياحة في تعليقها على احتجاج السائح الأميركي وقولها حرفيا: “إن العاملين في وزارة السياحة والآثار يعملون منذ عدة أشهر على معالجة هذا الوضع للارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة في المواقع السياحية كافة، وإن الوزارة الآن بصدد طرح عطاء خاص بنظافة عديد من أهم المواقع السياحية والأثرية في انحاء المملكة جميعها” .
تأكدوا أن هذا هو أحد الأسباب الرئيسية في حالة الخراب التي نعيش، خطاب وجمل لم يعد لها مكان في الزمن العملي الذي وصلنا، خطاب علاقات عامة فاشل لا يعالج مشكلة، وانما يبحث عن تجميل الواقع بمعالجات شكلية وطرح عطاءات.
لاحظوا أن تنظيف المرافق الصحية وإدامة النظافة فيها يحتاج إلى لجان واجتماعات تستغرق عدة أشهر وعطاءات قد تنفّذ وقد لا ترى النور.
للسياحة شروط وأدوات لا بد من توفرها، أهمها العين البصيرة التي تعرف قيمة الجَمال، ففي البترا والعقبة والبحر الميت أمن وأمان قد لا يتوفران في أي مكان آخر في المنطقة، لكن هذا وحده لا يكفي لجذب السياح، الذين يريدون مشاهدة كل شيء متوفر في المنطقة التي يرتادونها، يريدون شواطئ نظيفة، وفنادق لا تستغلهم، وبرامج سياحية تخدمهم، يريدون أسواقًا تراثية، وبعضهم يريدون كازينو، وأماكن ترفيه ومنتجعات توفر لهم احتياجاتهم كلها.
لقد تأخرنا كثيرا في الوصول الى مصاف الدول المستثمرة في السياحة، باعتبارها صناعة تدر دخلا كبيرا إلى البلاد، فقد سبقتنا دول لا تمتلك مقومات سياحية، وأمنية مثلنا، ومواقع غير موجودة لديهم كالبحر الميت والبترا والمغطس، ومع هذا لا نزال ممرا للسياحة.
السياحة في هذه الايام ابداع وابتكار، وهي عملية انتاج مترابطة، واستراتيجيات وخطط عمل متطورة، وهي تحويل المقومات الطبيعية وغيرها الى مردود اقتصادي مهم، وهي تنمية مستدامة وخلق فرص عمل، هي فعلا صناعة بامتياز.
لم تعد السياحة مجرد التغني بارضنا الخضراء، ولافتات على أرصفة الشوارع والطرق، وملحقية في عمل الحكومات، بل اصبحت خططا واقعية، وتقنيات جديدة، ومقاربات جديدة متطورة، وحاجة إلى أن نعرف كيف نحوّل السياحة إلى عملية انتاجية يومية نشطة في المناطق كافة.
تحتاج السياحة الى موازنات ضخمة للترويج لها، فنحن لسنا أقل أهمية في الجانب السياحي من مصر التي تخصص مئات الملايين من الدولارات لجذب السياح، إلى مواقعها الاثرية، بينما نخصص نحن أرقاما لا تذكر في المنافسة السياحية.
وزارة السياحة ليست وزارة هامشية حتى يتسيّد على رأس هرمها وزراء علاقات وأنساب ومعارف وتزبيطات، ولا يجوز بأية حال من الاحوال أن تكون حقيبة وزارية توضع على كتفي وزير غير متفرغ يُمنح وزارتين، كما جرى قبل سنوات، بل تحتاج إلى وزراء يفهمون صناعة السياحة، ويعرفون البعد الاستثماري في العمل السياحي.
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم