الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – قرَّرت أن أقضي فرصتي السنويَّة في لبنان بالرغم ممَّا أسمع من انقطاع لموادَّ أساسيَّة كثيرة فيه، لاسيَّما الكهرباء والدواء ومؤخَّرًا الخبز والطحين، ومن ارتفاع مخيف لسعر الدولار، وكم تساءلت: كيف يعيش السواد الأعظم من اللبنانيِّين وما يتقاضونه من معاش لا يكفي لسدِّ حاجة يوم واحد من الشهر؟ ولمستُ لمس اليد ما يدمع العين ويفرح القلب.
في نهاية السنة الدراسيَّة أرسلت إحدى المديرات رسالة إلى أهالي الطلاّب تعلن فيها أنَّ المدرسة سوف تتوقَّف عن مزاولة نشاطها ابتداءً من السنة المقبلة بسبب الديون الباهظة التي تراكمت عليها وارتفاع سعر الدولار، وبالتالي عليهم تسجيل أولادهم في مدرسة أخرى. وما إن سار الخبر سير النار في الهشيم حتَّى تراكض أهل الوفاء من عامَّة الشعب ومن شخصيَّات وفعاليَّات للحؤول دون إقفال المدرسة. وراح كلُّ شخص يراجع ذكرياته في المدرسة متحسِّرًا عليها آسفًا لما آلت إليه. وفي غضون يوم واحد، يوم واحد فقط، تأمَّن مبلغ كبير من أبناء المنطقة – مع الوعد بمبلغ أكبر من أبناء الاغتراب –وقدِّم للمديرة فاستطاعت فيه أن تسدِّد قسمًا من ديونها المتراكمة، وتراجعت عن قرارها بإقفال المدرسة ووافقت على إعادة فتح المدرسة مع علمها أنَّ المشكلة سوف تتكرَّر في السنة المقبلة…
عانت إحدى المؤسَّسات الاجتماعيَّة التي تُعنى بالفتيات ذوات الأوضاع الاجتماعيَّة الصعبة، من ضائقة ماليَّة، فنالت مساعدات عينيَّة من مصادر كثيرة، ولكنَّها لم تستطع تأمين متخصِّصة في العلوم النفسيَّة. فالتزمت مؤسَّسة اجتماعيَّة أخرى بتأمين المتخصِّصة طوال سنة دراسيَّة فاستطاعت إحراز تقدُّم ملحوظ في حالة الفتيات النفسيَّة منذ اللقاء الأوَّل…
بسبب تراجع المستشفيات عن تقديم الخدمات الضروريَّة لانعدام تأمين الدواء والمعدَّات الطبّيَّة، عمد قسم كبير من الأطبَّاء والجرَّاحين إلى ترك لبنان والسفر للعمل في الخارج. وسمعتُ بأحد الأطبَّاء الجرَّاحين، الذي يقوم بمساعدات إنسانيَّة كبيرة لاسيَّما مع أولئك الذين يُضطرُّون للخضوع لعمليَّة جراحيَّة ولا يملكون المال. فيعمد إلى إجراء العمليَّة الجراحيَّة دون أن ينال بدلاً لأتعابه، بل ويطلب من إدارة المستشفى تخفيض الرسوم الماليَّة بدل الاستشفاء قدر المستطاع؛ وفي أحيانًا كثيرة يقوم بتأمين الدواء للمرضى من جيبه الخاصّ. وعندما التقيته قال لي: “تخرَّجتُ من فرنسا بدرجة ممتازة وفي كلِّ لحظة أنا قادر أن أسافر إلى فرنسا والعمل هناك، ولكنَّ عدد الأطبَّاء هنا يتناقص يومًا بعد يوم، ولا بدَّ من أن يبقى أحد للاعتناء بأولئك الذين لو استطاعوا لسافروا وتركوا البلاد. فهم بحاجة إلى من يقوم بتطبيبهم، والطبّ قبل كلِّ شيء هي مهنة إنسانيَّة، قبل أن تكون مصدرًا للربح وجمع المال. أم نترك وطننا وننتظر من العالم أن يرسل إليه أطبَّاء لتطبيب أهلنا وأبناء وطننا؟”
وقال لي ربُّ أسرة يكافح لتأمين لقمة العيش لأسرته: “لو لا يرسل إليَّ أخي المقيم في الخارج بين فترة وأخرى مبلغًا من المال لمتُّ أنا والأسرة من زمان”…
هذا غيض من فيض! فالعالم كلُّه ينحني إجلالاً أمام أهل الوفاء وأصحاب الأيادي البيضاء!