الأول نيوز – د. أحمد ناصر الطهاروه
تحل ذكرى حرب حزيران عام 1967، وما تزال تلك الحرب تمثل واحدة من أكثر المحطات إيلامًا في التاريخ العربي الحديث. لم تكن النكسة مجرد خسارة عسكرية للأرض، بل كانت نتيجة تراكم أخطاء استراتيجية وسياسية وعسكرية دفعت الأمة ثمنها لعقود طويلة.
لقد كشفت حرب حزيران عن جملة من الإخفاقات، في مقدمتها غياب القيادة العسكرية العربية الموحدة، وضعف التنسيق بين الجبهات، وسوء تقدير قدرات العدو ونواياه، إلى جانب المبالغة في الخطاب الإعلامي الذي سبق الحرب وصوّر النصر وكأنه أمر محسوم، في الوقت الذي كانت فيه الحقائق العسكرية على الأرض تشير إلى غير ذلك.
وفي خضم تلك الأجواء المشحونة بالشعارات والحماسة، برز موقف المغفور له الملك الحسين بن طلال رحمه الله بوصفه نموذجًا للقيادة التي تنظر إلى الواقع بعين المسؤولية لا بعين الأمنيات. فقد أدرك مبكرًا خطورة الموقف العسكري، وحذر من الاستخفاف بقدرات العدو ومن المبالغة في تقدير الجاهزية العربية، وسعى إلى نقل ما توافر لديه من معلومات وتحذيرات تتعلق بالاستعدادات الإسرائيلية للحرب.
غير أن تلك التحذيرات لم تلقَ الاهتمام الكافي في ظل مناخ سياسي وإعلامي كان يميل إلى التعبئة العاطفية أكثر من التحليل الاستراتيجي. بل إن الدعوات إلى الواقعية والتريث قوبلت أحيانًا بالتشكيك والتخوين، وكأن الاعتراف بالتحديات يمثل ضعفًا، بينما أثبتت الأحداث لاحقًا أن تجاهل الحقائق كان أحد أهم أسباب الهزيمة.
لقد علمتنا نكسة حزيران أن أخطر ما يواجه الأمم عجزها عن رؤية الواقع كما هو. فالحروب لا تُحسم بالخطب الرنانة ولا بالشعارات الحماسية، وإنما بالتخطيط السليم، والمعلومات الدقيقة، والقيادة الكفؤة، والقدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب.
وبعد ما يقارب ستة عقود على النكسة، ما تزال الدروس ذاتها صالحة لكل زمان. فالانتصار على الاحتلال لا يحتاج إلى خطاب عاطفي بقدر ما يحتاج إلى مشروع عربي يقوم على العلم والاقتصاد والتكنولوجيا والوحدة الوطنية والإرادة السياسية المستقلة. كما يحتاج إلى بناء الإنسان القادر على الإنتاج والإبداع، وإلى مؤسسات قوية قادرة على إدارة الصراع بكفاءة واقتدار.
لقد أثبتت التجارب أن الاحتلال مهما امتلك من قوة لا يستطيع أن يهزم أمة تمتلك الإرادة والتنظيم ووحدة الهدف. كما أثبتت أن الانقسام والتنازع الداخلي يقدمان للعدو ما لا يستطيع تحقيقه بنفسه.
وفي هذه الذكرى، لا نستحضر حزيران من أجل اجترار الألم، بل من أجل استيعاب الدرس. فالملك الحسين رحمه الله لم يكن يحذر من باب التشاؤم، بل من منطلق المسؤولية الوطنية والرؤية الاستراتيجية. وقد أثبت التاريخ أن الشجاعة الحقيقية ليست في تجاهل المخاطر، بل في امتلاك الجرأة على قول الحقيقة مهما كانت صعبة.
إن طريق النصر يبدأ من الاعتراف بالأخطاء، ومن بناء عناصر القوة الشاملة، ومن الإصغاء إلى صوت العقل والخبرة. تلك هي الرسالة التي حملتها النكسة، وتلك هي الرسالة التي ما تزال صالحة للأجيال العربية القادمة.
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم