الإثنين , أغسطس 24 2026

بين كيسنجر وكوشنير: هندسة الخديعة من العبور إلى الركام

الاول نيوز – صلاح ابو هنّود
مخرج وكاتب
​التاريخ حين يكرر نفسه في منطقتنا لا يأتي على هيئة
مأساة أو مهزلة فقط، بل يأتي على شكل خديعة متقنة ومستمرة؛ تتغير أسماء مهندسيها ووجوههم، وتبقى أدواتها وأهدافها ثابتة لا تتغير. وفي الموروث الشعبي يتردد المثل الشهير: “بين حانا ومانا ضاعت لحانا” ليعبر عن حالة الضياع بين خيارين أحلاهما مر، لكن الواقع السياسي المعاصر يفرض علينا صياغة أكثر مرارة وسخرية: “بين كيسنجر وكوشنير.. امشي وتمختر”. وعلى منصات التفاوض الموهومة، وطاووسية سياسية فارغة تسير بخطى واثقة نحو الفخ، بينما يجري تجريد الأمة من مقومات وجودها وعزتها شبرًا شبرًا.
​بدأت أبعاد هذه اللعبة في أكتوبر 1973؛ يومها صنعت الشعوب لحظة استثنائية من العزة والعبور، وكسرت أسطورة التفوق الميداني للعدو. غير أن الدبلوماسية الأمريكية، برعاية هنري كيسنجر، سارعت إلى احتواء هذه الصدمة، وعملت بعناية على تفكيك نصر الميدان وتحويله إلى ترتيبات سياسية مكبلة. رفعت واشنطن يومها شعارات براقة حول “تحسين شروط الحياة”، و”رخاء السلام”، و”الدفء الاقتصادي”، والانفتاح على الغرب. غير أن الحصيلة الحقيقية بعد عقود لم تكن سوى ارتهان كامل وتجريف متدرج للإرادة الوطنية؛ حيث تحول الملايين من موقع الفاعلية والسيادة إلى مطاردة يومية مضنية للقمة العيش، ودخلت الدولة في دوامة القروض والإملاءات الخارجية التي أفرغت النصر الميداني من مضمونه السياسي.
​والان تجري الامور لإعادة إخراج النص ذاته في “أكتوبر الغزي”، لكن بشخصيات جديدة وأدوات أكثر صلفة ومباشرة. أرسى جاريد كوشنير قواعد المقايضة الحديثة من خلال منطق الصفقات الاقتصادية والتطبيع المجاني، مستهدفًا تجريد القضية من جوهرها السياسي والوطني. يتحول الصراع على الحقوق والحرية وحق تقرير المصير إلى نزاع إنساني خدمي محتضر؛ حيث يصبح أقصى ما يُتفاوض عليه هو الحصول على “مشروع صرف صحي”، أو تأمين ممر للمساعدات، أو انتزاع موافقة لإزالة ملايين الأطنان من الركام في عملية قدر لها أن تستغرق عشر سنوات لمجرد تنظيف الشوارع.
​إنها العقيدة ذاتها التي تعتمد على تجريف الوعي وإعادة تعريف الهزيمة والنصر؛ تفكيك القضية من صراع وجود واستقلال إلى “إدارة كوارث” وتنظيم للإغاثة. يُترك المجتمع في العراء والشتات لسنوات طويلة، حتى تنحصر آماله وتطلعاته في خيمة تواري أطفاله أو خط مياه صالحة للشرب، وتصبح المطالبة بالكرامة والسيادة رفاهية سياسية لا يملكها الجياع والمشردون تحت الأنقاض.
​إن حجم الخديعة لا يكمن في البطش الخارجي قدر ما يكمن في التكرار الساذج؛ السير المكرر في ذات الممرات التفاوضية المظلمة وانتظار نتائج مختلفة. وما لم تُترجم القوة الميدانية وتضحيات الشعوب بوعي سياسي صلب يقطع كليًا مع أوهام كيسنجر وصفقات كوشنير، سنظل نخرج من كل ملحمة عسكرية بوعود إعمار وهمية، ونستفيق على تجريف جديد للكرامة، ونبكي على ما أضاعته الأمة بين “حانا” الأمس و”مانا” اليوم.

عن Alaa Alnaji

شاهد أيضاً

في اليوم العالمي للشباب…من جيل المستقبل إلى صُناع الحاضر

الاول نيوز – د.مارسيل جوينات إن الشباب قادر على أن يكون رمز حين ينجز، وقدوة …