الأربعاء , يوليو 22 2026

انطغاء قنديل مصر القومي وصعود الشمعدان الإسرائيلي: قراءة في هندسة الانكفاء وتفكيك القوة العربية

‎الأول نيوز – ‎صلاح ابو هنّود – ‎كاتب ومخرج 

يمثل تعبير “انطفأء قنديل مصر وصعود الشمعدان الإسرائيلي” استعارة  تلخص تحولاً جيوسياسياً دراماتيكياً في الشرق الأوسط خلال سبعينيات القرن العشرين. في قلب هذا التحول تقف شخصية هنري كيسنجر، مهندس الدبلوماسية الأمريكية، لكن هذا الإطفاء لم يكن ليحدث بجهد خارجي محض، بل عبر تقاطع خطير مع استراتيجيات الداخل المصري، وصعود التيارات الدينية، وصولاً إلى الزلزال الجيوسياسي الذي فجرته الثورة الإيرانية.

‎أولاً: الفلسفة الكيسنجرية.. تفكيك الجبهة الموحدة بـ “الخطوة خطوة”
‎لم يكن كيسنجر يسعى لحل النزاعات بقدر ما كان يسعلـ إدارتها بما يخدم المصالح الواقعية () لواشنطن وتل أبيب:
‎امتصاص صدمة أكتوبر: حين حقق الجيش المصري عبوراً تاريخياً حطم نظرية الأمن الإسرائيلي عام 1973، أدرك كيسنجر أن استمرار التفوق العربي العسكري يهدد المصالح الأمريكية. كان هدفه منع أي نصر عربي حاسم، وإيصال الأطراف إلى حالة إنهاك تدفعهم للجوء إلى واشنطن كـ “المستشار الوحيد” للحل.
‎دبلوماسية “الخطوة خطوة” وعزل مصر: الخطيئة الاستراتيجية التي وقع فيها النظام العربي آنذاك كانت القبول باتفاقيات فصل القوات المنفردة. نجح كيسنجر في إغراء الرئيس أنور السادات بوعود استعادة سيناء، مما أدى عسكرياً وسياسياً إلى إخراج مصر (الثقل الاستراتيجي الأكبر) من الصراع، تاركاً الجبهة السورية وحيدة، ومفككاً “مفهوم الأمن القومي العربي المشترك”.
‎ثانياً: “الرئيس المؤمن”.. المفتاح الداخلي لإطفاء القنديل القومي
‎إذا كان كيسنجر قد صمم “القفل” لعزل مصر، فإن استراتيجية السادات الداخلية كانت هي “المفتاح” الذي أدار ذلك القفل من الداخل عبر تفكيك الهوية الجيوسياسية لمصر:
‎ضرب المشروع الناصري بالبديل الإسلامي: لتمرير خياراته الانفتاحية والتسوية مع الغرب، تخلص السادات من مراكز القوى الناصرية واليسارية (الخصم التاريخي للتيار الديني) عبر “إخراج المارد من القمقم”. فتح السجون لتيارات الإسلام السياسي، ومكّن الجماعات الإسلامية في الجامعات والنقابات لضرب خصومه.
‎من “مصر العربية” إلى “مصر المؤمنة”: تحول الخطاب الرسمي إلى لافتة “دولة العلم والإيمان”. هذا التحول عزل مصر وجدانياً وسياسياً عن التزاماتها القومية تجاه فلسطين والمحيط العربي تحت شعار “مصر أولاً”، مما سهّل على كيسنجر سحب مصر من المعسكر العربي دون معارضة شعبية قومية كاسحة، بعد أن هُمشت النخبة المثقفة لصالح صعود إسلامي مدعوم رسمياً.
‎المفارقة الكيسنجرية-الإسلامية: التقت مصلحة واشنطن والتيار الإسلامي آنذاك (برعاية السادات) على هدف واحد: تدمير القومية العربية واليسار. انشغل الشارع بمعارك الهوية الداخلية، مما منح إسرائيل وكيسنجر المساحة الزرقاء لهندسة “كامب ديفيد” دون قلق من حراك جماهيري قومي منظم.
‎ثالثاً: الخاتمة الإيرانية.. ارتداد السحر على الساحر
‎في الذروة الدراماتيكية لهذا التحول، وبينما كان السادات وكيسنجر يظنان أنهما يروّضان التيار الديني لتمرير السلام الأمريكي، كان الجوار الإقليمي يشهد زلزالاً عاتياً: الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.
‎تبادل المصائر (الشاه والسادات): انهار حليف أمريكا الأكبر في المنطقة (شاه إيران) أمام ثورة دينية عارمة قادها الخميني. وفي خطوة تحدى بها السادات مشاعر التيارات الإسلامية والقومية، استقبل الشاه المخلوع ووفر له ملاذاً في مصر، مما شحن الجماعات الإسلامية المحلية بجرعة هائلة من الغضب العقائدي، حيث باتوا يرون في السادات “شاه مصر” الذي تجب الإطاحة به.
‎المُحفّز الإيراني والمنصة: أثبتت التجربة الإيرانية للتيارات الجهادية المصرية (التي نمت في كنف تساهل السلطة) أن الأنظمة الموالية لأمريكا يمكن إسقاطها. تجسد هذا الارتداد في 6 أكتوبر 1981، عندما اغتيل السادات برصاص خالد الإسلامبولي في العرض العسكري، في محاولة لتفجير ثورة إسلامية على النسق الإيراني. والمفارقة اكتملت باحتفاء طهران بالقاتل وتخليد اسمه في شوارعها.
‎رابعاً: المحصلة الاستراتيجية.. صعود الشمعدان والفراغ البديل
‎انتهت هذه الحقبة بهزيمة شاملة للمشروع الذي هندسه كيسنجر والسادات على المدى البعيد:
‎الاستفراد الإسرائيلي (العلو): بعد الاطمئنان إلى خروج مصر من المعادلة العسكرية، تفرغت إسرائيل للاستفراد بباقي القوى العربية؛ فاجتاحت لبنان عام 1982، وضربت المفاعل النووي العراقي عام 1981، وتحول الشمعدان الإسرائيلي إلى القوة المهيمنة المستفيدة من تفتيت عناصر القوة العربية الشاملة

‎الصعود الإيراني: الفراغ الجيوسياسي الذي تركه “انكفاء قنديل مصر” ودخولها في نفق الصراع الأمني الداخلي مع تياراتها الدينية، لم تملأه إسرائيل وحدها. بل ملأته إيران أيضاً، التي التقطت شعارات المقاومة والقضية الفلسطينية التي تخلى عنها النظام الرسمي العربي، لتؤسس لنفوذ إقليمي واسع وعميق في المنطقة.
‎خلاصة نقدية:
‎لم ينطفئ قنديل مصر لأن الأمة هُزمت عسكرياً في الميدان، بل لأن قيادتها قبلت بتفكيك شفرتها الوراثية القومية واستبدالها بلعبة توازنات دينية محلية خطرة. فارتد التيار الديني محلياً ليغتال السادات في القاهرة، وانفجر إقليمياً في طهران ليعيد صياغة الصراع، لتدخل المنطقة في نفق من التفتت انطفأ معه العمل العربي المشترك، وارتفع فوق ركامه الشمعدان الإسرائيلي.

عن Alaa Alnaji

شاهد أيضاً

لماذا هذا… الإصرار على استدعاء صورة قديمة كلما ذُكر الأردن؟

أ. د . كامل محادين – الأول نيوز  ليست المشكلة أن يستعيد رجلٌ ذكريات طفولته، …