الجمعة , أغسطس 21 2026

مخلفات الاحتلال في غزة.. قنابل موقوتة تهدد الحياة والتعافي

الأول نيوز – بين أكوام الركام والأحياء المعزولة، التي خلّفتها حرب الإبادة على قطاع غزة؛ ترك الاحتلال آلاف الأطنان من المخلفات العسكرية والقذائف غير المنفجرة، جعلت من خلالها الموت يتربص بالناجين من العدوان؛ فالخطر يحدّق بالنازح العائد إلى ركام منزله والباحث بين أحجاره على ما يمكن استرداده، وبالطفل الذي يبحث عن ألعابه بين حجرات غرفته، وبالذي اتخذ من الدمار مصدرًا لرزقه يجمع منه الخردة والأدوات التي يمكن استعمالها وبيعها، وجعلهم يخوضون مغامرة قد تكلفهم حياتهم أو سلامة أجسادهم.

ومنذ بدء عودة النازحين إلى مناطق سكنهم مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في شهر أكتوبر من العام الماضي، تزايدت حوادث انفجار الذخائر التي خلّفها الاحتلال في مناطق متفرقة من قطاع غزة، لتُسجّل إصاباتٌ خطيرةٌ بين المدنيين، معظمها بين الأطفال.

لم ينهِ اتفاق وقف إطلاق النار الأزمات الناتجة عن الحرب، بما في ذلك الدمار الهائل للبنية التحتية، والنزوح، وتعطيل الخدمات الأساسية؛ فإن انتشار الذخائر غير المنفجرة في المناطق السكنية والزراعية والطرقات العامة يهدد حياة مئات الآلاف ممن نجوا من حرب الإبادة، فقد حصدت هذه المشكلة أرواح العشرات من المواطنين، فضلًا عن الإصابات البالغة التي ألحقتها بمن أصيبوا جراء انفجار هذه المخلفات.

وتشمل الذخائر غير المنفجرة القنابل والذخائر والقذائف التي أُطلقت أو أُلقيت أو وُضعت لكنها لم تنفجر، وتبقى خطرًا قائمًا يمكن أن ينفجر في أي وقت، فقد يشكل انتشارها في غزة تهديدًا مباشرًا للمدنيين، ولا سيما الأطفال والنساء والعائدين إلى منازلهم والمزارعين وجامعي الخردة والعاملين في إزالة الركام.

واقع خطير وأرقام مرعبة

تؤكد تقديرات المؤسسات الإنسانية والأممية أن نسبة كبيرة من القذائف والصواريخ والقنابل التي أُلقيت على القطاع لم تنفجر عند ارتطامها بالأنقاض أو التربة، ما جعلها بمثابة “قنابل موقوتة” قابلة للانفجار عند أي حركة أو ملامسة غير مقصودة.

تُشير تقديرات دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS) إلى وجود عشرات الآلاف من الأجسام غير المنفجرة الموزعة بين الممتلكات السكنية والمنتزهات والأراضي الزراعية، في حين تسجل المستشفيات بصورة دورية وصول إصابات بحالات بتر في الأطراف أو حروق بالغة، وضحايا ارتقوا نتيجة انفجار هذه المخلفات أثناء قيام المواطنين بالبحث عن ممتلكاتهم بين الأنقاض أو خروج الأطفال للعب.

وأشارت نتائج مسح حديثة أجرته الدائرة في أبريل 2026 إلى أن أكثر من ألف شخص فقدوا حياتهم في قطاع غزة بسبب مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة، مع احتمال أن يكون العدد الحقيقي للضحايا أعلى من ذلك. كما تُظهر المعطيات رصد ذخيرة غير منفجرة واحدة تقريبًا في كل 600 متر داخل المناطق التي أمكن الوصول إليها.

ويعدّ الأطفال هم من أكثر الفئات تعرضًا للخطر؛ إذ قد تبدو الذخائر غير المنفجرة لافتة بصريًّا وتجذب الأطفال لالتقاطها أو الاقتراب منها دون إدراك لخطورتها، فقد أفادت منظمة إنقاذ الطفل أن الذخائر غير المنفجرة تتسبب بإصابة نحو 475 طفلًا شهريًّا بإعاقات قد تستمر معهم مدى الحياة.

وقدّر مكتب الإعلام الحكومي بقطاع غزة وجود أكثر من 20 ألف قطعة ذخيرة غير منفجرة، وهو رقم مرتفع للغاية مقارنة بصغر مساحة القطاع (365 كيلومترًا)، وقياسًا بمناطق نزاع أخرى.

خطر دائم: سبعة آلاف طن من مخلفات الحرب تهدد حياة الأهالي

وقف الحرب المزعوم، أو انتهاء القصف وقلّته، لا ينهي الخطر على الأهالي في قطاع غزة، لكن مرحلة بدأت أشد قسوة تتجلى في المخلفات التي تركتها آلة الحرب بين أحياء المواطنين وتحت أطنان الركام المترامي، تحوّلت معها القنابل غير المنفجرة إلى قنابل موقوتة تهدد حياة المدنيين وطواقم الإنقاذ على حد سواء.

ذخائر 0.JPG

وفي هذا السياق، أوضح الناطق باسم جهاز الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، أن التقديرات الميدانية تشير إلى وجود أكثر من سبعة آلاف طن من المتفجرات والمخلفات الحربية التي لم يتم تفكيكها بعد في مختلف مناطق قطاع غزة، مشيرًا إلى أن هذه الكميات الضخمة تتوزع بين المنازل المدمرة، والأراضي الزراعية، والشوارع الرئيسية.

وبيّن بصل أن فرق الإنقاذ والمعدات التابعة للدفاع المدني تعمل في ظروفٍ شديدة الخطورة؛ إذ يمكن لأي حركةٍ خاطئة أثناء عمليات انتشال الجثامين من تحت الأنقاض أو إزالة الركام أن تتسبب بانفجارٍ مفاجئ يودي بحياة أفراد الطواقم أو المدنيين الموجودين في المكان.

وأضاف بصل أن استمرار احتجاز الاحتلال للمعدات المتخصصة بكشف وتفكيك المتفجرات، إلى جانب نقص الأجهزة الحديثة لدى طواقم هندسة المتفجرات يضاعف من حجم التحديات والمخاطر الميدانية، مما يجعل عمليات المسح الهندسي معقدة وتستغرق وقتًا طويلًا.

وأشار الناطق باسم الدفاع المدني إلى أن الضحايا الأكبر لهذه المخلفات هم من الأطفال والأهالي النازحين الذين يحاولون العودة لتفقّد منازلهم أو جمع أمتعتهم، حاثًّا المواطنين على ضرورة توخّي أقصى درجات الحيطة والحذر، وعدم الاقتراب من أي أجسام غريبة أو تحريك الأنقاض بشكل فردي، والإبلاغ الفوري عن أي مخلفات مشبوهة ليتعامل معها المتخصصون وفق الإمكانات المتاحة.

ودعا بصل المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية إلى التدخل العاجل للضغط من أجل إدخال المعدات الحديثة الكفيلة بتفكيك المتفجرات، وتوفير الحماية اللازمة لفرق السلامة والإنقاذ لتجنب وقوع المزيد من الضحايا بين صفوف المدنيين وطواقم العمل الإنساني.

تلوث كارثي: آلاف الأطنان من المتفجرات تهدد البيئة والصحة في غزة

في هذا السياق، يؤكد المتخصص والخبير البيئي محمد مصلح في حديث  أن الاحتلال الإسرائيلي قصف قطاع غزة بأكثر من 200 ألف طن من المتفجرات، وهو ما يتجاوز في تأثيره الحجم التدميري للكميات التي قُصفت بها ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، ويعدل قوة أكثر من قنبلتين نوويتين من طراز هيروشيما وناجازاكي.

وأوضح أن مكونات هذه الذخائر تحوي مواد كيميائية خطرة، ومعادن ثقيلة، ويورانيوم منضب يمنح الصواريخ والقنابل قوتها التدميرية العالية وفق ما أثبتته الدراسات الدولية، مما يتسبب بآثار كارثية مستمرة على التلوث الهوائي والبيئي، كما أن تدمير المباني وانهيار الخرسانة والزجاج والمعادن، ولا سيما مادة الإسبستوس المحظورة، أدى إلى ارتفاع خطير في تركيزات الجزيئات الصلبة العالقة في الهواء، وهي جزيئات تسبب مخاطر صحية وبيئية مباشرة وجمة.

ويضيف مصلح أن الحرائق الواسعة الناجمة عن القصف المتواصل خلفت مركبات سامة شديدة الخطورة، وفي مقدمتها مركب “الديوكسين”، مما يضاعف حجم التهديد الواقع على الصحة العامة والبيئة في القطاع.

سموم كيميائية وتأثير كبير على التربة

وفيما يتعلق بالأضرار البيئية العميقة المترتبة على الانفجارات ومخلفاتها الكيميائية، أوضح المتخصص أن آثار هذه المواد تنتشر على نطاق واسع وتتسع لرقعة جغرافية كبيرة؛ حيث تشكل هالات من الغبار المحمل بالمركبات الكيميائية التي قد تمتد لكيلومترات عدة قبل أن تترسب في التربة، مشكّلةً خطرًا مباشرًا على البيئة، والسلاسل الغذائية، والمياه، والمحاصيل الزراعية، مشيرًا إلى أن وصول هذه السموم إلى التربة يؤدي إلى حدوث اضطرابات حادة في مجتمعاتها الميكروبية والقضاء على البكتيريا النافعة والكائنات المحلّلة، مما يضعف جودة التربة ويقلل قدرتها الإنتاجية للزراعة بشكل ملحوظ.

وأضاف أن امتصاص النباتات للسموم المترسّبة يهدد بانتقال الملوثات الخطرة إلى السلاسل الغذائية، لافتًا إلى أن خطورة هذه الملوّثات تكمن في قدرتها على البقاء والاستمرار في البيئة لفترات طويلة قد تمتد لأشهر أو سنوات أو حتى عقود، وذلك تبعًا لطبيعة المواد الكيميائية الداكنة في تركيبتها.

ذخائر.JPG

تلوّث المياه الجوفية وتفاقم الأزمة المائية

وفي سياق متصل، حذر المتخصص البيئي محمد مصلح في حديثه ، من الخطر المحتوم لتسرب المكونات السامة الناتجة عن القصف والتدمير إلى مصادر المياه الجوفية، مشيرًا إلى أن هذا الخطر محتمل جدًّا وتؤكده العديد من الدراسات الدولية.

ويوضح أن التلوث يظهر بشكل جليّ في التربة الرملية، لا سيما في المناطق التي يقع فيها عمق المياه الجوفية على مسافة قريبة جدًّا من سطح الأرض، كما هو الحال في منطقة المواصي والمناطق القريبة من الشاطئ أو في مخيمات الخيام في خانيونس، لافتًا إلى أن القصف المتواصل أحدث حُفَرًا عميقة على بعد أمتار قليلة من منسوب المياه السطحي الذي لا يتجاوز في بعض المناطق أمتارًا معدودة، مما يسهل وصول هذه المواد السامة مباشرة وبكل قوة إلى الخزان الجوفي وتلوّثه.

ويقول مصلح إن هذا التسرب السام يأتي ليزيد الوضع سوءًا فوق خزان جوفي يعاني أصلًا في قطاع غزة من تلوث حاد بمستويات مرتفعة من النترات والأملاح، بالإضافة إلى الملوثات البيولوجية الأخرى، مما يهدد الخزان المائي الشحيح في القطاع بالانهيار الكامل.

وبناءً على هذه المعطيات الكارثية، دعا المتخصص البيئي المؤسسات الدولية والمفوضيات الأممية، وفي مقدمتها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لما يمتلكه من خبرة واسعة، إلى التدخل العاجل وإجراء مسح شامل للتلوث الكيميائي والهوائي في القطاع

وشدد على أهمية إنشاء شبكة مراقبة دولية للمياه الجوفية والآبار للوقوف على منسوب التلوث وتحديد الآبار المتضررة، إلى جانب وضع استراتيجية عاجلة لإدارة الركام والتعامل مع المخلفات الخطرة المندمجة فيه، وعلى رأسها مادة الإسبستوس والمواد الكيميائية السامة.

وحذر في ختام حديثه  من المخاطر الجسيمة الناجمة عن الانتشار العشوائي للمخلفات الطبية وإلقائها في مكبات غير معتمدة، مشيرًا إلى محتواها العالي من المواد الكيميائية والملوثات البيولوجية التي تهدد بتسرب سمومها إلى التربة والخزان الجوفي، مما يشكل تهديدًا كبيرًا ومباشرًا على الصحة العامة والبيئة.

إن حماية حياة أهالي قطاع غزة والنهوض بالواقع الإنساني لا يمكن أن يتحققا بمعزل عن معالجة ملف المخلفات العسكرية والسموم المتراكمة؛ وعليه، فإن ترك ألف كيلومتر مربع من الأراضي والركام مشبعةً بآلاف الأطنان من الأجسام القابلة للانفجار والملوثات الكيميائية يحول كل محاولة لإعادة الإعمار أو تأمين استقرار العائلات إلى مجازفة غير محسوبة. وكل هذا مرتبط بجدية الاحتلال بوقف عدوانه على قطاع غزة، وتنفيذ استحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار، مما يتطلب إدخال المعدات اللازمة لرفع الأنقاض وإزالة مخلفات الحرب.

( بوابة الهدف  – مهند ابو شمالة)

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

الملك يطلع على معرض في شنجن لمجموعة شركات تكنولوجية صينية

الأول نيوز – اطلع جلالة الملك عبدﷲ الثاني، الخميس، في مدينة شنجن، على معرض لمجموعة …