الخميس , أكتوبر 8 2026

رثاء د. محمد العبدالجادر.. الطرشة الأخيرة

 د. محمد العبدالجادر *–

 

 الأول نيوز – «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ».. برحيل الوالد انتهى آخر خيط ربطنا بأهل البحر.. حدّثني عن الهند، حدّثني عن كليكوت وكراتشي وعدن والسواحل وممباسا، حدّثني عن أدوار تجار الكويت ونواخذتها والبحارة، وعن شرف الكلمة وشظف العيش وكساد ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. رحل النوخذة، الذي عبرت معه سنوات العمر حتى بلغت الستين من العمر، مرّت مرور الغمام، كان هو بوصلتي والديره وشراعي، التي يحلو أن يحدثنا عنها، رحل نوخذة حقيقي واجه الحياة بكل تصاريفها، وعبر زمن تغيّر فيه العالم، حدّثنا عن قصص من أساطير الأولين، عاش زمن البحر وأهواله، وزمن التحوّل للنفط والرواتب وأحوالها، تنقل في العمران من الكويت القديمة بمعالمها وأسواقها، والبيت العود الذي ولد فيه في حي الوسط، تحديداً فريج الخوص، مطلع فريج غنيم، في موقع البنك المركزي القديم في بهيته، بالقرب من بركة الماء، التي شاهد فيها أباه وأجداده ورجال الكويت ينقذون الكويت من العطش عبر قيادة سفن خشب الماء، وجلبها إلى أرض غير ذي زرع، ومع تحول الحياة ونهضة البلاد، ترك البيت العود في نهاية الأربعينيات، ليستقر مع الاهل قليلاً في المرقاب، جانب موقع مسجد الوزان، الذي ظل يصلي فيه الجمعة حتى أقعده المرض. شهد هو ـ مع أهل الكويت ـ التحول من حياة البحر إلى ريع النفط بالخمسينات، ليعمل في دائرة الكهرباء، وفي ماليتها تحديداً، حتى تحولت إلى وزارة الكهرباء والماء، ليعمل محاسباً بكل أمانة وشرف كويتيا بسيطا، ليظل بها حتى تقاعده في الثمانينيات، وخلال تلك الفترة انتقلنا من بيت الجد في الفيحاء، التي ولدتُ فيها مع إخوتي، ثم سكنا منطقة النزهة.

مع حرب 1973 كنت أستمع إلى المذياع معه عن انتصارات أكتوبر المجيدية، التي تصادف مرور ذكراها هذه الأيام مع رحيله.

أخذني إلى مقرات نواب الشعب أحمد الخطيب وجاسم القطامي وسامي المنيس وعبدالله النيباري وأحمد النفيسي، وبعدها عملت معهم جميعاً، وشاركت بعد ذلك في الخدمة العامة، حتى شهد دخولي مجلس الأمة في 2008 نائباً عن الدائرة الثانية.

زرع في بيته حب الكويت وحكامها وأهلها، رأيته شامخاً صامداً في مواجهة الزلزال، الذي أصابنا إبان الغزو العراقي للكويت، الذي توقع حدوثه بعد خطاب تهديد صدام حسين بحدسه البسيط. وقف معي في كل المحطات، بعثراتي ونجاحي، وساندني في كل خطاي كأب ومعلّم، ظل يوصيني خيراً بالعباد طيلة عملي العام، وكانت وصيته: «إذا لم تجد نفعاً للناس يا وليدي فلا تسعَ في ضررهم»، وهي وصية سمعتها منه، وترددت على ألسنة كبار السن من أهل الكويت، رأيته صابراً محتسباً يفقد أهله وأحبابه واحداً تلو الآخر.

فقد بصره وقدرته على المشي، ثم فقدنا والدتي، ثم أخي الأكبر، رحمهما الله، وتعثّر في محطات المرض، وبدأ يفقد صحته شيئاً فشيئاً، وظل يقاوم كحال الصابر المحتسب..

ربان سفينة قوامها أهل وأحباب، يوجّه ويسأل عن الكل، ترفّع عن الصغائر فكان كبيراً، زهد في القليل فجاءه الكثير، عشت مع مرضه حتى وعكته الأخيرة في طرشات عدة، ولكنها هي «الطرشة الأخيرة» كما يسميها أهل البحر، التي عشتها منذ رمضان الماضي ومع دوي أصوات الحرب في منطقتنا، وأحياناً مع صافرات الإنذار والألم يكافح الوهن بصمت بصمت، وبصوت عال أحياناً أعطى المقدمات لنهاية الرحلة، عندما فقد السيطرة والوعي.

إنها دورة الحياة وسنّة الله على الأرض، فلكل أجل كتاب، ولكل «طرشة» ميناء.

وفي الختام، فإنه إن كان من كلمة، فهي شكر وعرفان لكل الفريق الطبي في مستشفى الأميري، وخاصة فريق الدور التاسع فريق الباطنية برئاسة د. مريم الراجحي، وفريق الكلى برئاسة د. أنس اليوسف، والسادة في الإدارة العليا من المدير إلى أخي د. أوسان المهيني، وطاقم التمريض الرائع، الذين قاموا بمجهود طيب في رعايته.

رحيلك يعزُّ عليّ يا أغلى من فقدت، وفراقك أيها الطود الشامخ، ولكنها إرادة الله التي لا مناص منها، يرحل النوخذة تاركاً حمولته الثقيلة وأشرعة لن تطوى، رحمك الله يا والدي، وألحقك مع آبائك وأجدادك في ركب الصالحين والصديقين، فأنتم السابقون ونحن اللاحقون.

 

* الطرشة الأخيرة (الرحلة الأخيرة)

** برلماني كويتي ديمقراطي (القبس)

 

 

 

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

عزات فريحات وعائلته ينعون فقيد الوطن شاهر الأسكر

الأول نيوز – يتقدم السيد عزات فريحات وزوجته المهندسة أنعام سلامة وأبنائهما كل من المقدم …