الثلاثاء , نوفمبر 3 2026

أمن المياه وكلفة الانتظار

الأول نيوز –  رانيا غازي أبو غوش

لم يكن تكرار جلالة الملك لعبارة «المياه، المياه، المياه» في خطاب العرش تأكيداً على أولوية خدمية فحسب؛ بل وضع الأمن المائي في قلب المعادلة الاقتصادية. فالمياه تحدد كلفة الإنتاج، وقدرة المنشآت على التوسع، وجاذبية الاستثمار، واستقرار حياة الأسر.

وهنا تكتسب الدعوة إلى تسريع المشاريع الكبرى معنى يتجاوز الإنجاز الإداري. ففي ملف المياه، الزمن عنصر كلفة؛ إذ إن تأخر الحلول الاستراتيجية يبقي الاقتصاد معتمداً على مصادر محدودة، ويرفع عبء المعالجة والضخ، ويؤخر قرار المستثمر الذي يحتاج مورداً مستقراً وقابلاً للتوقع.

وتكشف أرقام الناقل الوطني حجم الاستحقاق. فالمشروع يستهدف تحلية 300 مليون متر مكعب سنوياً، ونقل المياه عبر نحو 450 كيلومتراً إلى مختلف مناطق المملكة، لتوفير قرابة 40% من احتياجات مياه الشرب. كما تبلغ كلفته الرأسمالية المقدرة نحو 4.3 مليار دولار، فيما تصل كلفته الكلية، شاملة التمويل، إلى نحو 5.8 مليار دولار.

هذه الأرقام تفسر لماذا لا يجوز اختزال التسريع في تقصير المدد الإجرائية. فمشروع بهذا الحجم يحتاج إلى حوكمة تنفيذ تتابع التمويل، والعطاءات، والتصاريح، وسلاسل التوريد، وتكامل الطاقة مع عمليات التحلية والضخ، وإدارة الكلفة طوال عمر المشروع. المطلوب سرعة منضبطة: سرعة تمنع التعطيل، وتحمي الجودة، وتبقي القرار المالي والفني قابلاً للمساءلة.

وتبرز أهمية هذا النهج لأن الناقل ليس محطة تحلية فقط، بل بنية اقتصادية ممتدة. انتظام التزويد يقلل حالة عدم اليقين لدى المصانع والمزارع والمشروعات السياحية، ويتيح تخطيطاً أكثر استقراراً للتوسع والإنتاج. كما يخفف الضغط على المصادر التقليدية، ويمنح الدولة مساحة أوسع لإدارة الطلب وحماية الموارد للأجيال المقبلة.

لكن أثره لن يكتمل إذا تعاملنا معه باعتباره حلاً منفرداً. زيادة الإمداد يجب أن تسير بالتوازي مع خفض الفاقد، وتطوير شبكات التوزيع، وتحسين كفاءة الاستهلاك، ومعالجة المياه وإعادة استخدامها حيثما يكون ذلك ممكناً اقتصادياً. ذلك أن كل متر مكعب يُحفظ من الهدر هو طاقة إنتاجية ومالية تستعاد قبل أن تصبح كلفة إضافية على الدولة والمستهلك.

والبعد الاقتصادي الآخر يتمثل في القيمة المحلية للمشروع. فتنفيذه يفتح مجالاً لتأهيل الكفاءات الأردنية في التحلية وإدارة الشبكات والطاقة المتجددة والصيانة، ويوسع فرص المقاولين والموردين المحليين ضمن معايير فنية وتنافسية واضحة. بهذه الطريقة يتحول الإنفاق الرأسمالي إلى خبرة محلية وفرص عمل وقدرة مؤسسية تتجاوز حدود المشروع نفسه.

خطاب العرش ربط التنمية بما يلمسه المواطن في معيشته وفرصه ومستقبل أبنائه. وفي المياه، يترجم ذلك إلى تزويد أكثر انتظاماً، وخدمة قابلة للتوقع، واقتصاد قادر على النمو دون أن تبقى منشآته رهينة ندرة مورد أساسي.

المياه ليست بنداً خدمياً في الموازنة، بل أصل وطني يحمي الإنتاج والاستثمار والاستقرار. والتحدي في المرحلة المقبلة ليس إثبات أولوية الناقل الوطني، بل إدارة تنفيذه بكفاءة تجعل من كل دينار وكل يوم إنجازاً اقتصادياً محسوبا.

* مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر

عن Alaa Alnaji

شاهد أيضاً

برعاية “الفوسفات الأردنية”.. عمّان تستضيف المؤتمر الفني الدولي الـ38 للاتحاد العربي للأسمدة بمشاركة دولية واسعة

الأول نيوز – تنطلق في العاصمة عمّان، الثلاثاء المقبل، فعاليات المؤتمر الفني الدولي الثامن والثلاثين …