السبت , أكتوبر 31 2026

الزلزال الهادئ: عندما توحدت الأرقام لتطيح بعهد نتنياهو

الاول نيوز – صلاح ابو هنّود
مخرج وكاتب
في ردهات المشهد السياسي الإقليمي، لا تُقاس التحولات الكبرى دائماً بقرع الطبول أو اصطدام الجيوش، بل تُصاغ أحياناً بأرقام صامتة وحاسمة ترسم ملامح نهاية حقبة بأكملها. وما تشهده الساحة السياسية الإسرائيلية اليوم يمثل علامة فارقة؛ زلزالاً هادئاً من نوع خاص، قاده تحالف برلماني عريض بلغ قوام أغلبية صلبة من 67 نائباً، وضع حداً لهيمنة سياسية طال أمدها.
هندسة التغيير: كسر الخطوط الحمراء وبراغماتية اللحظة
لم يكن الوصول إلى هذه الأغلبية البرلمانية مجرد صدفة انتخابية، بل جاء وليد تحولات جذرية في الحسابات السياسية وتجاوز للخطوط الحمراء القديمة. وتتجلى ملامح هذا التحول بوضوح في ثلاثة تصريحات مفصلية أعادت رسم خريطة التحالفات:
إيزنكوت والخيارات البديلة: إعلان غادي إيزنكوت تفضيله صراحةً التعاون مع القوائم العربية على التحالف مع حزب “الليكود”، في إقرار واضح بأن كسر هيمنة نتنياهو يتطلب شراكة تتجاوز الأطر الحزبية التقليدية.
مرونة أحمد الطيبي: استعداد النائب أحمد الطيبي لتقديم تنازلات و”مد اليد” لإيزنكوت بلا شروط مسبقة أو اشتراط حقائب وزارية، في خطوة براغماتية هدفها الأول قطع الطريق أمام عودة نتنياهو وتفريغ سلاح التحريض من مضمونه.
درس منصور عباس: التأكيد الحاسم لمنصور عباس بأن تجربة التفاوض السابقة مع نتنياهو لن تتكرر، مما ألقى بظلاله على إغلاق كافة النوافذ أمام أي محاولات مناورة من قبل تكتل اليمين.
هذه المواقف المتناغمة صنعت أرضية صلبة لـ 67 مقعداً مناهضاً لنتنياهو، مؤكدة أن الرغبة في التغيير باتت تتفوق على الاعتبارات والأيديولوجيات الضيقة.
نهاية الحصانة: تهاوي درع السلطة التنفيذية
في معترك السياسة، تفقد النصوص القانونية هيبتها طالما بقيت أداة في يد من يمسك بزمام السلطة التنفيذية. لقد كان بقاء نتنياهو على رأس الهرم السياسي يضمن له شراء الوقت وإبطاء إيقاع المحاكمات وتأجيل الاستحقاقات القضائية عبر أدوات المناورة وتشكيل الحكومات.
لكن المشهد اليوم، بتوافر أريحية نيابية تضمن اختيار رئيس جديد للكنيست وتشكيل حكومة بديلة، ينكشف فيه الغطاء السياسي بالكامل. لم يعد أمام الرجل سوى خيارين أحلاهما علقم: مواجهة الماكينة القضائية بملفاتها الثقيلة (الرشوة، الاحتيال، وخيانة الأمانة) من موقع الضعيف المجرد من الحصانة، أو الخضوع لحتمية التسوية القاسية عبر صفقة إقرار بالذنب تضمن له الخروج المشروط مقابل الاعتزال التام للحياة السياسية.
الدرس التاريخي: هشة هي عروش النفوذ
إن الانتقال من قمة النفوذ إلى قاع المساءلة القضائية يثبت مجدداً القاعدة الدرس التاريخي: هشة هي عروش النفوذ
‎إن الانتقال من قمة النفوذ إلى قاع المساءلة القضائية يثبت مجدداً القاعدة الأزلية في علم الحكم: لا توجد حصانة أبدية أمام إرادة التغيير الدستوري وسيادة القانون.
‎لقد نجح هذا الزلزال الهادئ، الذي خاض معركته بوعي السياسة وتوافق الخصوم لا برصاص الميدان، في إعادة كتابة قواعد اللعبة. إنه إعلان بأن عصر الزعامات التي تتخذ من مناصبها دروعاً شخصية قد وصل إلى خط النهاية، لتنطوي بذلك أطول صفحات الصراع السياسي وتفتح صفحة جديدة عنوانها الأبرز: العدالة حين تنطق بلا رجعة.
‎

عن Alaa Alnaji

شاهد أيضاً

حضارة الدنيا في رحاب اقرأ

‎الأول نيوز – صلاح ابو هنّود – ‎مخرج وكاتب ‎ليس عبثاً أن تكون أول كلمة …