الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – بعدما راح أعضاء مجلس الإدارة في إحدى الشركات التجاريَّة يعدِّدون صفات رئيسهم الراحل أمام مؤسِّس الشركة، وقفت نائب الرئيس لحظة صمت على غياب الرئيس ثمَّ نظرت بعين ثاقبة إلى مؤسِّس الشركة، وابتسمت ابتسامة لطيفة، وبدأت بالكلام:
“ما قاله الزملاء مصيب مئة في المئة، ولن أضيف على تلك الصفات الإنسانيَّة شيئًا. سوف أتوقَّف عند بعض الصفات التي تحلَّى بها رئيسنا المرحوم والتي أظهر من خلالها أنَّه قائد أكثر ممّا هو رئيس أو مدير لهذه الشركة.
“في اجتماعات مجلس الإدارة، ما فرض يومًا رأيه على الأعضاء أو أمر أحدًا بعمل فيه التباس، بل كان يسأل كلاًّ بدوره عن رأيه وصوابيَّة المشروع المقترح، فلا يرفض أيَّ اقتراح بل يطرحه على أعضاء المجلس كافَّة مهما كان بسيطًا، فلا تشعر أنَّك دونه مرتبة بل يتعامل معك كمسؤول يحمل مسؤوليَّته بجدارة، فيجعلك مكترثًا لكلِّ ملاحظة تبدر منه، أو لكلِّ هفوة تصدر منك. بالتعاون الدائم استطعنا أن نحقِّق المستحيل.
“كان دائم الابتسام ليوحي لنا بالثقة والراحة وبمحبَّته الأخويَّة، فلا نشعر بالتوتُّر أو القلق أو حتَّى بالتعب والملل. لم يقل يومًا أنا أريد هذا الأمر، بل ينظر إلينا جميعًا قائلاً لنا: “طالما أنَّ الأمر موافق عليه منَّا جميعًا فليكن كذلك”، ولا يضيف مثلاً “هيَّا انطلقوا إلى العمل”، بل يضيف: “هيّا لننطلق إلى العمل جميعنا يدًا بيد”. صحيح أنَّه كان حازمًا ورصينًا، لكنَّه لم يكن يومًا متغطرسًا أو متكبِّرًا على موظَّف من الموظَّفين، بل كان صاحب رؤية واضحة ونشرة شاملة للأمور. يمكنني أن أقول إنَّه كان ملهَمًا يعرف مقدرة كلِّ واحد من الموظَّفين، فيدعمه ليُخرج أجود ما لديه، ويدفعه إلى الانطلاق قدُمًا. ما يميِّزه فعلاً أنَّه كان يعطي كلاًّ منَّا حقَّه، فصاحب مشروع ناجح، أو مبادرة قيِّمة ينال منه تهنئة وتنويهًا أمام جميع الموظَّفين. يعامل جميع العاملين في الشركة معاملة عامل مثلهم لا رئيسًا عليهم، فلا يسيء إليهم لا في الكلام ولا في التصرُّف، وكثيرًا ما نراه يمدُّ يده ويعينهم في حمل أغراض ثقيلة يرفعونها وحدهم، فيدفعهم إلى خدمة الشركة بكلِّ تفانٍ وإخلاص، وعندما يطلب منهم التأخُّر في العمل، لسبب أو لآخر، لا يتذمَّرون بل يقدِّمون تعبهم بكلِّ مجَّانيَّة وغيرة على المصلحة العامَّة.
“لم أسمعه يومًا رافعًا صوته على أحد، بل يتكلَّم بهدوء ووضوح، فالمخطئ يكتشف خطأه، وصاحب الحقِّ يأخذ حقَّه دون خوف أو ضعف.
“عملتُ معه بل أقول، كما كان يريدنا أن نقول، تعاملنا معًا منذ اثنتي عشرة سنة، وأقولها بكلِّ فخر إنَّ الأرباح التي وصلت إليها شركتنا لا تعود فقط إلى ذكائه وسعة اطّلاعه، بل إلى نظرته الثاقبة للأمور، وترك المجال أمام كلِّ موظَّف كي يُخرج من “عنديَّاته” ما هو دفين في قلبه وعقله، فيستثمر وزناته في خدمة الشركة؛ فكلُّ موظَّف استطاع تحقيق أحلامه البنّاءة إذ جعله خلوقًا مدهشًا بل مبهرًا في عطائه، ممّا جعل الشركة تتطوَّر وتزدهر، وإن لم يكن لدى السواد الأعظم همٌّ في مكافأة أو زيادة في الراتب، لكنَّ المدير بل القائد ما كان يترك فرصة إلاَّ وأعطى علاوة على المرتَّب الأساسيّ لهذا وذاك من الموظَّفين النجباء بل الأمناء.
“بكلمة كان يعلِّمنا بمثله أكثر ممّا يعلِّمنا بكلامه، ويعلِّمنا ما يجب علينا فعله لا ما يجب علينا ألاَّ نفعله، لأنَّه يركِّز على حسناتنا ويتغاضى عن سيِّئاتنا.”
وبعد أقلَّ من أسبوع تمَّ انتخاب رئيس جديد لمجلس الإدارة، بطلب من نائب الرئيس، فحصلت على أصوات الجميع وفازت بالمنصب الشاغر…
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم