الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – عاد الصحافيُّ بعد غربة دامت عشر سنوات إلى الديار فاستقبله أبوه بكلِّ ترحاب وسأله: ماذا فعلتَ في رحلتك الطويلة؟ فأجاب الصحافيّ أباه: كنتُ أتنقَّل من بلد إلى آخر، ومن مكان إلى آخر، أجمع المعلومات، وأدوِّنها في مقالات علميَّة في أشهر صحيفة في العالم العربيّ. فاستطرد الأب: إذًا، ملأت العالم العربيَّ كلمات. فقال الصحافيّ: ما قمتُ به، وأقولها بكلِّ فخر، لم يستطع أن يقوم به أحد ممَّن سبقوني، فهذا سبق فقتُ فيه كلَّ مَن سبقني.
فابتسم الوالد وتابع كلامه: انتبه يا ولدي من الغرور، فالغرور يقتل صاحبه. دعني أسألك بعض الأسئلة: هل استطعتَ أن تضيف حرفًا واحدًا على اللغة العربيَّة؟ وهل استطعتَ أن تضيف كلمة واحدة جديدة على اللغة العربيَّة، إلاَّ إذا عرَّبتها كما هي عن الأجنبيَّة؟ كلُّ ما قمتَ به هو أنَّك جمعتَ حروفًا في كلمات، وكلمات في جمل واستنبطت مقالاً جمعت فيه معلومات موجودة أساسًا هنا أو هناك. ما يميِّز مقالاتك هو أسلوبك الخاصّ بك والذي يجعلك فريدًا عن غيرك. فالأسلوب هو الرجل. وهذا يعود إلى سعة اطِّلاعك وعمق ثقافتك وحسن اختيارك للألفاظ وطول باعك في المجال الصحفيّ.
سكت الصحافيُّ لحظة ثمَّ قال: لا أعرف ماذا أجيبك يا أبي! لطالما كنتُ أقرأ مقالاتك بشغف كبير، ويوم أُصبتَ بالفالج توقَّفت عن الكتابة نهائيًّا. ولكنَّك اليوم بكلامك أعدتني إلى حجمي الطبيعيّ. نلتُ وسامين من دولتين أجنبيَّتين كنتُ أفتخر بهما. وحاضرتُ في أمكنة لم يستطع أيُّ عربيّ أن يحاضر فيها. ظننتني ملكتُ الدنيا كلَّها. وها أنتَ تعيدني إلى رشدي. كم الإنسان ضعيف هو! “يغرق في نقطة ماء”.
قاطع الأب ابنه قائلاً: يظنُّ الإنسان نفسه “مالكًا القلعة”، فإذا هو هباء سريع العطب. مررتُ بتجربة الغرور قبلك يا بُنيّ، ورئيس تحرير المجلَّة التي كنتُ أعمل فيها، نصحني بالتواضع فلم أنتصح. وإذا بنقطة دم واحدة، أقعدتني عن الحركة وشلَّت يدي عن الكتابة. عندئذٍ أدركتُ ما كنتُ أجهله في غمرة نجاحي. وما مررتُ به يمرُّ به كلُّ إنسان يحصل على المجد بين ليلة وضحاها ولا يستطيع أن يسيطر على أهوائه فيغمره الغرور وتستولي عليه الكبرياء…
وصلتُ اليوم إلى المقالة المئة في هذه المجلَّة الغرَّاء صحيفة “الأوَّل نيوز”. ثابرتُ أسبوعيًّا وطوال سنتين على الكتابة فيها، وأنا على يقين، أنَّني اكتسبتُ منها أكثر ممَّا أفدتها وأفدتُ القارئ الكريم. اخترتُ مواضيع دقيقة أحيانًا، وأحيانًا جريئة، ولم أبغِ من كتابتي في هذه المجلَّة سوى إلقاء الضوء على أمور اجتماعيَّة وحياتيَّة وإنسانيَّة أراها تحوَّرت عن مسارها الطبيعيّ وخرجَت عن الموضوعيَّة واتَّخذَت طابع الذاتيَّة الضيِّق.
أشكر بشكل خاصّ كلَّ من انتقدني، بانتقاده حفَّزني على المثابرة والمواجهة. أشكر كلَّ من قرأني وتفاعل مع كتاباتي. أنحني شكرًا أمام كلِّ شخص تأثَّر بما كتبتُ وحاول تصويب تفكيره أو على الأقلّ راح يفكِّر بطريقة أكثر إيجابيَّة. وبالشكر تدوم النِّعم!