الدكتور ايمن سلامة –
الأول نيوز – أثار الرئيس الفرنسي ماكرون ضجة كبيرة على الساحة العالمية عندما أجرى مقابلة مع صحيفة “ليزيكو” الفرنسية حيث قال إن “أسوأ شيء هو الاعتقاد أننا نحن الأوروبيين يجب أن نكون أتباعًا” ، وقد أثارت تصريحاته ردود فعل غاضبة في الولايات المتحدة فيما أثارت علامات استفهام عديدة في عواصم بلدان الاتحاد الأوروبي لا سيما في وارسو .
ورغم أن ماكرون وغيره من قادة الاتحاد الأوربي ألمحوا إلى ضرورة تبني أوربا “استراتيجية مستقلة” على الساحة العالمية، إلا أن كثيرين أخذوا علي ماكرون أن اختيار كلماته في المقابلة مع “ليزيكو” لم يكن موفقا بالنظر إلى دور الولايات المتحدة كأكبر داعم لأوكرانيا في مواجهة القوات الروسية
ومع استمرار الحرب في أوكرانيا ، ما زال الاتحاد الأوروبي يعتمد بشكل كبير على واشنطن من أجل تعزيز الأمن ،وهو الأمر الذي سلط الضوء عليه السيناتور الجمهوري البارز “ماركو روبيو” وغيره من أعضاء الحزب الجمهوري.
ماهية “الدول التابعة”
ينظم القانون الدولي العام السيطرة الخارجية على شؤون إحدى الدول ، كأن يكون ذلك ناتجا عن معاهدة حماية، أو أي شكل آخر من الموافقة على التفويض أو التمثيل في العلاقات الخارجية، أو مثل حرب قانونية من أجل الدفاع الجماعي وعقوبات تؤدي إلى احتلال وفرض إجراءات من شأنها إزالة مصادر العدوان ، ويعد احتلال الحلفاء لألمانيا بموجب إعلان برلين في 5 حزيران/ يونيو 1945 مثلًا على الحالة الأخيرة ، إذ تولّى هؤلاء بالتضامن السلطة العليا في ألمانيا .
ويستخدم مصطلح “تابعة” (dependent) للدلالة على وجود واحد أو أكثر من الحالات الجلية التالية
(1) غياب الدولة بوصفها قائمة، وذلك حين تكون الدولة المعنية خاضعةً لدولة خضوعًا كاملا بحيث تكون ضمن سيطرتها وحيث لا يؤدي أصلُ الخضوع إلى تفويض أو تمثيل؛
(2) عندما تقدم دولة تنازلات لدولة أخرى في ما يتعلق بالولاية القضائية والإدارة إلى حد تفقد فيه سيادتها؛
(3) عندما تمنح دولةٌ صلاحيات واسعة وتفويضًا وتمثيلا للشؤون الخارجية لدولة أخرى ؛
(4) عندما تعاني الدولة في الواقع من تدخّل دولة أخرى وربما تكون دولة تابعة (client) من الناحية السياسية، لكنها من الناحية الكمية ليست تحت سيطرة “الراعي” (patron) الكاملة والدائمة؛
(5) عندما يكون الشخص القانوني من نوع خاص، ويبدو على الصعيد الدولي لأغراض خاصة وحسب، كما في حالة الأقاليم الخاضعة للانتداب والوصاية وبعض المحميات ؛
لا يمكن أن تنطبق فئة الاستقلال (أو) السيادة التي هي مرادف للاستقلال بقوة إلا في ضوء الغرض القانوني للتمحيص وفي ضوء الوقائع المحددة.
ففي قضية الاتحاد الجمركي النمساوي – الألماني ، طلب من محكمة العدل الدولية الدائمة أن تقرر إن كان اتحاد الجمارك المقترح يتضارب مع التزامات النمسا بموجبات بروتوكول عام 1922 القاضي بعدم المساس “باستقلالها والامتناع عن أي مفاوضات أو انخراط في أعمال اقتصادية أو مالية هدفها الإضرار بالاستقلال سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ، وبأغلبية ثمانية مقابل سبعة أصوات قررت المحكمة أن نظام الجمارك محل النظر يتعارض مع هذه الالتزامات.
وفي قضية مراسيم الجنسية، أكدت محكمة العدل الدولية الدائمة أن المحميات لها خصائص قانونية فردية مستمدة من ظروف خاصة […] أدّت بدورها إلى إنشاء تلك الخصائص كما أنها مستمدة من مرحلة نشوئها .
ويمكن أن تقدّم لنا إحدى الدول المحمية مثالا على التمثيل الدولي الذي لا يُغيّر الشخصية وقيام الدولة الخاص بالكيان محل التمثيل، رغم أنه من منظور أحوال الشخصية فإن الكيان يمكن أن يكون “تابعا” بمعنى أو أكثر من المعاني الآنفة الذكر. ففي قضية المواطنين الأميركيين في المغرب، صرّحت المحكمة بعد أن أشارت إلى معاهدة فيز وإنشاء محمية فرنسية في عام 1912 ، أنه “بموجب” هذه المعاهدة، يبقى المغرب دولة سيادية، لكن يقوم بترتيبات تعاقدية الطابع تباشر فرنسا بموجبها صلاحيات سيادية معينة باسم المغرب ونيابة عنه، ومن حيث المبدأ، في كل ما يتصل بعلاقات المغرب الدولية ” ، وفي الحقيقة، كانت العلاقة علاقة خضوع وليست تفويضًا كما هو ظاهر.
ويظهر معنى آخر من معاني التبعية في سياق المستعمرات السابقة؛ فلقد تحليل تبعية ما بعد الاستعمار في إطار اقتصاديات التنمية والإدارة العامة. أما في ما يتعلق بالإدارة العامة، فيتبدى التناظر الاستعماري في حالة دولة أو وحدة إقليمية تضعها إحدى المنظمات الدولية تحت إدارة جزئية أو كاملة، بحيث تفقد السيطرة على بعض مظاهر الحكم أو كلها ومن ثم تصبح تابعة لمن يديرها .
وقد خلقت المؤسسات الاقتصادية إمكانية المراقبة والتدخّل المتواصلين من أجل فرض التغيير في الدول النامية ، ولهذا يعتمدُ عدد من الدول النامية” على المساعدات والقروض الأجنبية من مؤسسات مثل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية ، وغالبًا ما تُرفَق برامج المساعدات بشروط، تتعلق على سبيل المثال بطريقة استخدام المال وبسياسات المستفيد وموقفه من حقوق الإنسان، ومصادرة الملكيات والتحول الديمقراطي وليس أمام المستفيد خيار غير الامتثال إذا كان يريد الحصول على تلك الأموال ، وهذه الدول النامية” تعتمد على موارد أجنبية، وبالتالي فهي معرضة لتأثير وتدخلات العالم “المتقدّم”.
يري البعض أن دول ما بعد الاستعمار” قلما امتلكت خصائص الدول المنيعة في أي شيء غير المعنى القانوني الرسمي الخالص ” ، وذهبوا للزعم أن كثيرًا من دول أفريقيا يحتاج إلى ما يمكن أن نسمّيه استعمارًا نزيها، واقترحوا على الاتحاد الأوروبي أن يتولّى جماعيًا مثل هذه المسؤوليات ، وذلك من أجل وقف التدهور في القارة الإفريقية.