الثلاثاء , أغسطس 25 2026

وشمٌ على جدار الزمن: في فلسفة العزلة الأخلاقية والوصم الدولي

الأول نيوز – صلاح أبو هنود
مخرج وكاتب
لا تبدأ الهزائم الكبرى للكيانات والدول من انكسار دروعها العسكرية في ساحات المعارك، بل تبدأ من اللحظة التي تفقد فيها “سرديتها الأخلاقية” أمام ضمير العالم. فالقوة الوجودية لأي مجتمع أو نظام سياسي لا تُستمد من كثافة النيران، بل من مساحة الشرعية الإنسانية التي يستطيع تمثيلها أو ادعاءها.
حين أعلنت الأمم المتحدة إدراج إسرائيل وجيشها رسمياً على “القائمة السوداء” للدول والجهات المنتهكة لحقوق الأطفال في مناطق النزاع، لم يكن الحدث مجرد إجراء بيروقراطي يسكن أدراج المنظمات الدولية، بل كان زلزالاً فلسفياً ووجودياً هزّ الأركان المعرفية والسياسية التي قام عليها هذا الكيان لعقود.
سقوط الأقنعة وعبء “التسمية”
لطالما استثمرت السردية الرسمية لهذا الكيان في صناعة صورة نمطية عنوانها “الجيش الأخلاقي” الحداثي الذي يمثل واحة الحقوق في بحر من الفوضى. كانت هذه الصورة هي الدرع الدبلوماسي الأقوى، والورقة الرابحة في المحافل الغربية. لكن هذا القرار الأممي جاء ليمارس فعل “الوصم والتسمية” (Naming and Shaming)؛ وهو فعل في الفلسفة السياسية يجرد المستبد من لغته المستعارة.
أن يُوضع جيشٌ نظامي يدعي الانتماء للمنظومة الحضارية الغربية في الكفة ذاتها مع تنظيمات مارقة وجماعات مسلحة عابرة للحدود، يعني أن “القناع الأخلاقي” قد تهشم تماماً. لم تعد المواجهة اليوم بين روايتين سياسيتين متناقضتين، بل بين آلية توثيق دولية صلبة وبين واقع دموي لم يعد مقدوراً على التزييف احتماله.
الوعي التاريخي وحتمية العزلة
إن القيمة الحقيقية لهذا الإدراج لا تكمن في فرض عقوبات اقتصادية أو عسكرية فورية، فالتوازنات السياسية الدولية وموازين القوى في مجلس الأمن قد تعطّل طويلاً مجرى العدالة الناجزة. لكن القيمة تكمن في “الوعي التاريخي” الذي يتشكل في وجدان الأجيال القادمة.
هذا القرار هو وثيقة إدانة أبدية، أثرٌ لا يُمحى، يشبه الوشم المحفور بعمق على جدار الزمن. تصبح الدولة بموجبه “مشبوهة أخلاقياً”، ويتحول حلفاؤها وداعموها إلى شركاء في الحرج الأخلاقي والسياسي. تصبح اللقاءات الدبلوماسية، والاتفاقيات الثقافية، ومبيعات الأسلحة عبئاً ثقيلاً يخشى الساسة في المجتمعات الديمقراطية تحمّل تبعاته أمام ناخبيهم. إنها “العزلة الصامتة” التي تبدأ كشرخ صغير في جدار الشرعية، ثم تتسع مع كل تقرير، وكل محاكمة، وكل صرخة طفل تُسجّل في سجلات التاريخ.
نحو عدالة آتية
قد يرى الواقعيون والبراغماتيون أن القرارات الدولية بلا “مخالب” تنفيذية هي قرارات عاجزة. لكن القراءة الفلسفية للتاريخ تخبرنا بعكس ذلك؛ إن القوة التي تفتقر إلى الحق هي قوة تحمل بذور فنائها في داخلها. إن تعرية الشرعية هي الخطوة الأولى والأساسية نحو التفكيك وهو السياسي والدبلوماسي.
‎القرار الأممي ليس نهاية المطاف، بل هو الأرضية القانونية والأخلاقية الصلبة التي ستقف عليها محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، وكل أحرار العالم في مقبل الأيام. لقد رُفعت الحصانة الأخلاقية، وسقطت الحجة، وبقيت الحقيقة عارية تحت شمس الحساب التاريخي. وكما علمتنا الأيام، فإن طواحين العدالة قد تطحن ببطء، لكنها تطحن ناعماً… والحقيقة لا تموت بالتقادم

عن Alaa Alnaji

شاهد أيضاً

الوطن البديل: الخدعة الساقطة وسماسرة الوهم

الأول نيوز – صلاح ابو هنّود – مخرج وكاتب منذ سبعينيات القرن الماضي، وحين وُلِدت …