الثلاثاء , يوليو 28 2026

حتمية الفشل التاريخي : ليست رمانة بل قلوبٌ مليانة: صراع الشرعيات وحتمية انكسار المشروعات الطارئة

الاول نيوز – صلاح ابو هنّود
مخرج وكاتب
في الأدبيات السياسية للشرق الأوسط، نادراً ما تكون الأزمات وليدة لحظتها؛ فالأحداث الظاهرة ليست إلا رأس الجبل الجليدي، وما خفي تحت سطح التاريخ والجغرافيا هو الأصل. من هنا يتضح أن التصعيد والتطاول المستمر تجاه الأردن من إيران ليس مجرد “رمانة” حادث عابر، بل هو انعكاس لـ “قلوب مليانة” بحسابات أيديولوجية وسياسية جرى تأسيسها منذ عقود.
عبقرية الملك حسين واستشراف الخطر
كان الراحل الملك حسين بن طلال يمتلك حساً استراتيجياً فريداً وقراءة نفاذة للمستقبل. عندما اندلعت الثورة الإيرانية عام 1979 وطرحت مفهوم “تصدير الثورة”،وان الطريق  الى القدس يبدأ من كربلاء،أدرك بعمق الخطر العابر للحدود الذي سيهدد مفهوم الدولة الوطنية العربية.
وقوفه التاريخي مع العراق في الثمانينيات لم يكن انحيازاً لشخص، بل كان موقفاً استباقياً  وبداية التصدي الأردني لحماية البوابة الشرقية للأمة العربية ومنع تمدد مشروع كان يراه الملك الراحل مهدداً لاستقرار المنطقة بأسرها. وقد أثبتت العقود التالية صحة هذه الرؤية؛ إذ ما زالت المنطقة تعاني من ارتدادات تلك الثورة.
“صك الشمول”
عندما أكملت إيران نفوذها في العراق، ظنّ الكثيرون أن المشروع الإقليمي لولاية الفقيه قد وصل إلى ذروته؛ فالعراق يحوي المركز الروحي للشيعة (النجف وكربلاء). لكن الحسابات الاستراتيجية كشفت سريعاً عن محدودية هذا المنجز:
رمزية محصورة: المقدسات الشيعية في العراق -رغم قيمتها الروحية العالية لدى أبنائها- تظل ذات بعد مذهبي ومحصور في جغرافيا محددة، ولا تكفي لتكون ندّاً أو بديلاً لرمزية مكة المكرمة أو مخاطبة المليار ونصف المليار مسلم..
من هنا، كان لابد لطهران من السعي للوصول إلى أقرب نقطة من القدس؛ فالسيطرة على خط المواجهة مع الأقصى هي الورقة الوحيدة الكفيلة بنقل مشروعها من “نفوذ مذهبي إقليمي” إلى “مشروع إسلامي قيادي” ينافس الثقل الروحي للجزيرة العربية .
اصطدام المشروع بالشرعية الهاشمية الراسخة
في هذا الطريق نحو القدس، يصطدم المشروع الإيراني بالدولة الأردنية التي تمثل عائقاً بنيوياً وأيديولوجياً صلباً:
النسب الشريف والشرعية الجامعة: يمتد نسب الهاشميين في الأردن رسمياً وموثقاً إلى الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) وعلي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه). هذا النسب يُسقط الاحتكار الأيديولوجي الذي تحاول طهران فرضه تحت شعار “ولاء آل البيت”.
الوصاية الهاشمية: تُقدَّم الوصاية الهاشمية كإرث تاريخي وأخلاقي جامع لكل المسلمين والمسيحيين، قائم على الحماية والتثبيت، وليس على التجييش ،والمغامرة. لذا، تلقى هذه الوصاية قبولاً وجدانياً وشعبياً لدى الناس يفوق بكثير الشعارات الوظيفية الطارئة.
‎صلابة الجبهة الداخلية: المحاولات المستمرة لتملق الشارع الأردني، أو ترويج الشائعات الكاذبة حول اختراق مؤسساته السيادية وجيشه العربي، تصطدم دائماً بوعي شعبي وعقيدة عسكرية صارمة ترفض الارتهان للخارج.
1. ‎حتمية الفشل: سقوط العباءات المستعارة
‎رغم كل هذه المحاولات والتحركات الاستراتيجية، فإن المشروع الإيراني محكوم بالفشل الحتمي، والأسباب في ذلك بنيوية وتاريخية:
‎إن المشروع الذي يعتاش على أزمات الأمة لا يمكنه بناء مستقبلها. مهما ارتدت طهران من عباءات -تارة عباءة “آل البيت”، وتارة عباءة “المقاومة والتحرير”، وتارة عباءة “الدفاع عن المستضعفين”- فإن هذه العباءات تظل أثواباً مستعارة تتكشف زيافتها عند أول اختبار حقيقي.
‎التناقض الصارخ: لا يمكن لمن تسبب نفوذه في تفكيك النسيج الوطني للدول العربية (العراق، وسوريا، واليمن، ولبنان) أن يُقنع الشعوب بأنه يحمل مشروع خلاصٍ للقدس أو الأمة.
‎الفرق بين الحماية والتوظيف: الشعوب بحسها الفطري تميز بين من يحمي المقدسات كأمانة تاريخية (كالوصاية الهاشمية)، وبين من يستغل اسمها كشعار وممر في شطرنج النفوذ الإقليمي.
‎خاتمة
‎إن الاستهداف الموجه للأردن اليوم ليس وليد أزمة عابرة، بل هو حلقة في مواجهة تاريخية بين مشروع الدولة الوطنية القائمة على الشرعية الأصيلة والاعتدال، وبين مشروع ولاية الفقيه القائم على التمدد والتجييش الأيديولوجي.
‎وحين تُقرأ الأحداث ضمن هذا السياق الكلي، ينجلي الغبار وتبدو الحقيقة جليّة: المسألة ليست “رمانة” حادث طارئ، بل هي “قلوب مليانه” بالرغبة في الهيمنة… غير أن التاريخ يُعلّمنا أن العباءات المستعارة تسقط دائماً، وأن الشرعيات المأجورة أو الوظيفية تتهاوى أمام حقائق التاريخ والجغرافيا ووعي الشعوب.

عن Alaa Alnaji

شاهد أيضاً

المسؤولية الاجتماعية كفلسفة بقاء.. كيف صاغ أبو هديب معادلة التنمية المستدامة في “البوتاس العربية”؟

الاول نيوز – المحامي الدكتور يوسف البشتاوي حين نقرأ مسيرة المؤسسات الاقتصادية الكبرى في الدول …