الأول نيوز – حرب صامتة يواجهها مئات الآلاف من الأطفال والكبار في قطاع غزة، أمراض تغزو أجسادهم التي أكلتها حرارة الخيام، بين أزقةٍ تُحاصرها مياه الصرف الصحي، في واقعٍ أفرز انتشارا واسعًا وسريعًا للأمراض الجلدية بين النازحين.
الاكتظاظ الشديد داخل الخيام ومراكز الإيواء، إلى جانب أزمة العجز الحاد في المياه الصالحة للنظافة الشخصية، وانهيار شبكات الصرف الصحي، أدّى إلى خلق بيئةٍ خصبةٍ لانتقال العدوى، في وقتٍ تتزايد فيه المخاوف الطبية مع تسجيل مئات آلاف الإصابات بالأمراض الفيروسية والبكتيرية والطفيليات مثل الجرب، والجدري، والجدري المائي، والتهابات الجلد البكتيرية، في ظل نقصٍ حادّ في الأدوية والمنظفات والمستلزمات الطبية اللازمة للحدّ من هذا التفشي.
أوضاع إنسانية صعبة.. وقطاع صحي منهك
رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، إلا أنّ الأوضاع المعيشية للفلسطينيين لم تشهد تحسنًا ملحوظًا في ظل تنصل “إسرائيل” من التزاماتها بالاتفاق بما فيه إدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية ومواد الإيواء، فضلاً عن إغلاق المعابر لحركة الأفراد، وتقنين سفر المرضى والجرحى لأعدادٍ متدنيةٍ جداً.
وزارة الصحة الفلسطينية حذّرت في أوقاتٍ سابقة من تفشي الأوبئة في قطاع غزة نتيجة “تصاعد خطير” لانتشار القوارض على خلفية “تدهور حاد” في الأوضاع البيئية، كما حذرت بلديات القطاع والدفاع المدني من المخاطر البيئية والصحية جراء انتشار أكوام النفايات بين خيام النازحين وما تبقى من منازل في مناطق مختلفة من القطاع.
ويأتي ذلك في ظل النقص الحاد في الوقود اللازم لتشغيل مركبات ترحيل النفايات الشحيحة، ووسط المنع الإسرائيلي للوصول إلى المكبات الرئيسية في المناطق الشرقية من القطاع، وفقا لمعطيات محلية سابقة.
ويعاني النازحون من أمراضٍ جلديةٍ متعددة، أبرزها ما ينتج عن لدغات الحشرات وعضات القوارض وتداعيات الاحتكاك بالحيوانات الضالة، بالإضافة إلى ارتفاعٍ ملحوظٍ في حالات الحساسية الجلدية التي تسبب حكةً شديدةً تعيق النوم.
ويشار إلى أنّ الأدوية الأساسية مثل كريمات الكورتيزون ومضادات الحساسية غير متوفرة أو متوفرة بشكل محدود جدًا، في حين أنّ استخدام المياه المالحة أو الملوثة تسبب في زيادة حالات الأكزيما والحساسية، وذلك بحسب حديث رئيس قسم الأمراض الجلدية بمستشفى ناصر في خان يونس، الدكتور أسعد صادق.
ولأكثر من مرة، حذّرت وزارة الصحة في غزة من خطورة النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية على الواقع الصحي في القطاع، ووفق معطيات الوزارة، فإن نسبة العجز في قائمة الأدوية بلغت 52 بالمئة، و71 بالمئة في قائمة المستهلكات الطبية.
وكانت “مجموعة الصحة” التي تقودها منظمة الصحة العالمية قد أعلنت في 7 يوليو/ تموز الجاري، تسجيل نحو 9300 إصابة بجدري الماء خلال أسبوعين فقط داخل قطاع غزة، تم الإبلاغ عنها عبر أكثر من 130 منشأة صحية.
وأرجعت المجموعة، في بيان لها الارتفاع الحاد إلى الاكتظاظ الشديد داخل مواقع النزوح، وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة، إلى جانب تأثير ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، مشيرةً إلى أن أكثر من نصف الحالات في محافظة خان يونس جنوبي القطاع، والتي تضم في جزئها الغربي منطقة “المواصي” المكتظة بالنازحين والتي تنعدم فيها مقومات الحياة.
ارتفاع ملحوظ في نسبة الإصابات
في هذا الإطار، يقول طبيب الأمراض الجلدية والتجميل ومدير مركز جنة للرعاية والجمال د. عبدالله شامية ، إن الفترة الأخيرة شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في الأمراض الجلدية المعدية، خاصة الجرب والجدري المائي، مع ظهور حالات متفرقة من أمراض جلدية أخرى مثل الالتهابات الجلدية والفطرية وغيرها.
يوضح شامية أنّ هذا الارتفاع غير طبيعي مقارنة بما كان قبل الحرب، لكنه يرتبط بعوامل كثيرة؛ أهمها: الاكتظاظ الشديد داخل مراكز الإيواء والخيام، مشيرًا إلى أن أغلب الحالات المصابة بهذه الأمراض يعيشون في الخيام، معتبراً أنها أنسب بيئة لانتشار هذه الأمراض، ويضيف أن السبب الثاني يتمثل بصعوبة الحفاظ على النظافة الشخصية؛ وذلك للنقص في المياه ومواد التنظيف، بالإضافة إلى محدودية تغيير وتنظيف الملابس وأغطية النوم بشكل عام.
ويلفت طبيب الأمراض الجلدية إلى أن سوء التغذية وضعف المناعة لكثير من السكان خاصة الأطفال يمثل سببًا في انتشار هذه الأمراض، فضلًا عن التأخر في مراجعة المراكز الصحية؛ لقلتها وتأثر خدماتها.
أمراض معدية.. وعوامل انتقال متوفرة
ويُرجِع الطبيب شامية أسباب التفشي السريع للأمراض الجلدية المعدية — وفي مقدمتها الجرب والجدري المائي — إلى جملةٍ من العوامل الميدانية والبيئية القاسية التي تفاقمت جراء الحرب، وأبرزها الاكتظاظ الشديد وضيق المساحة، حيث تُشكل الخيام ومراكز الإيواء بيئةً خصبة لانتشار العدوى، حيث يُؤدي غياب الفواصل والعيش في مساحات ضيقة أو خيام متجاورة إلى تلامسٍ جسديٍ مباشرٍ ومتكررٍ بين أفراد الأسرة الواحدة، ومشاركة المستلزمات الشخصية، بحيث تفرض ظروف الفقر وتدني الدخل على العائلات التشارك في الأغطية والملابس وأسِرّة النوم، إلى جانب الارتفاع الكبير في تكاليف غسيل الملابس يدويًا في ظل انقطاع التيار الكهربائي.
كما يشير الطبيب إلى سبب رداءة التهوية وغياب الشمس، والتي تفتقر معظم مراكز الإيواء (كالمدارس) والخيام، فضلاً عن أماكن السكن المستحدثة أسفل أدراج البنايات، إلى التهوية السليمة وأشعة الشمس الكافية، مما يوفر بيئة ملائمة لبقاء المسببات المرضية وانتشارها. ويوضح أنّ تعذر عزل المصابين، يجعل إصابة فرد واحد بالعدوى سببًا في انتقالها إلى 90% من بقية أفراد العائلة خلال فترة زمنية قصيرة.
“الجرب”.. مرض دخيل على القطاع والأطفال الأكثر عرضة وإصابة
يؤكّد الأخصائي شامية أن الأمراض الجلدية الرائجة حاليًا ليست جديدة من الناحية الطبية، إلا أنها شهدت قفزة غير مسبوقة في معدلات انتشارها مقارنة بما قبل الحرب؛ حيث كانت تُسَجّل سابقاً بنسبٍ ضئيلةٍ ونادرةٍ جدًا، وفي مقدمتها مرضا “الجرب” و”الجدري المائي”.
وأشار إلى أن الإصابات اليومية الواردة إلى النقاط الطبية تتنوع بين: الالتهابات البكتيرية الناتجة عن التلوث الفطري والبكتيري المباشر للبشرة، والتهابات الجلد الشديدة الناجمة عن لدغات البعوض والحشرات المنتشرة بسبب سوء النظافة والظروف البيئية القاسية، إضافةً لتفاقم حالات الإكزيما وحساسية الجلد المفرطة جراء الافتقار لمتطلبات الرعاية الصحية والتغيرات المناخية في بيئة الخيام.
ويرى الطبيب شامية أن الأطفال يُصنّفون الفئة الأكثر عرضة للإصابة والتأثر بهذه الأمراض، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل متداخلة، منها: ضعف وعي الوقاية، والاحتكاك المباشر، وضعف المناعة مما جعل أجسادهم أقل مقاومة للعدوى وسريعة التأثر بتبعاتها.
شهادة حية من قلب الخيام
من أحد مراكز النزوح في مخيم النصيرات، يروي المواطن أبو محمد العمور (42 عاماً) معاناته اليومية مع التفشي السريع للأمراض الجلدية التي طالت أفراد عائلته بالكامل، قائلاً: “بدأت القصة مع طفلي الصغير (5 سنوات)، حيث ظهرت على جسده بقع حمراء وحكة شديدة تمنعه من النوم طوال الليل، وما هي إلا أيام قليلة حتى انتقلت العدوى إلى جميع أطفالي الأربعة وإليّ أنا وزوجتي. نحن نعيش جميعًا في خيمة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار، ولا نملك خيارًا لعزل المصاب.”
ويضيف أبو محمد “المياه الصالحة للاستحمام شبه معدومة، ونحصل على لترات قليلة بصعوبة بالغة، ناهيك عن الارتفاع الكبير في أسعار التغسيل اليدوي.
ويشير المواطن إلى أنه توجّه إلى عدة نقاط طبية مجاورة للحصول على علاج أو مراهم، لكن الإجابة دائماً هي ذاتها: ‘لا تتوفر لدينا أدوية، فالواقع معلوم لدى الجميع، والحلول غير متوفرة، فضلاً عن تكلفتها الفائقة حال توفرها.
لا تنفكّ هذه الأزمة عن منظومة المعاناة المركبة التي فرضتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، من فقرٍ ونزوحٍ حاد، وفقدانٍ للمأوى والمقومات الأساسية للحياة الكريمة؛ كالمياه الصالحة للشرب، والكهرباء، ومصادر الدخل، فقد عمد الاحتلال بشكلٍ ممنهجٍ على تفريغ قطاع غزة من سبل العيش الكريم، فإنّ هذا الواقع يتعدّى كونه حالة صحية، فهو امتداد لجرائم الاحتلال المستمرة بحق شعبنا سعيًا في إبادته بكلّ طريقةٍ ممكنة، هذا الشعب الذي يواجه أزماته بصبرٍ ممزوجٍ بقلة الحيلة..عجز متكرر يولّد حالة عميقة من اليأس، وشعورًا مأساويًا بعدم الجدوى؛ فما الفائدة من التعافي من مرضٍ ما إذا كانت البيئة المحيطة تُعيد إنتاجه في اليوم التالي؟
(بوابة الهدف – مهند ابو شمالة)
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم