د. حسين سالم السرحان –
الأول نيوز – أصبتُ بصدمة بعد اطلاعي على ملخص لما جاء في كتاب «الأكاديميا المظلمة: هكذا تموت الجامعات» لبيتر فلمنغ، الصادر عام 2021 حيث قدّم فيه تشريحًا قاسيًا لمصير الجامعة الحديثة، محذرًا من تحولها التدريجي من فضاء لإنتاج المعرفة الحرة إلى مؤسسة تحكمها البيروقراطية ومنطق السوق وهوس الأرقام والتصنيفات ومؤشرات الأداء.
فالجامعة لا تموت حين تتوقف عن العمل، بل قد تموت حين تستمر في العمل بعد أن تنسى لماذا وُجدت.
إذ لم تعد قيمة الأستاذ، في كثير من الجامعات، تُقاس بما يضيفه إلى المعرفة أو بما يثيره من أسئلة، بل بعدد الأبحاث المنشورة، ومعاملات التأثير، والاستشهادات العلمية، والمنح، والترقيات. فيتحول الأكاديمي، بصورة متزايدة، إلى رقم في لوحة بيانات، بينما يتحول الطالب إلى «عميل»، والمعرفة إلى «منتج»، والجامعة إلى علامة تجارية تتنافس في سوق التعليم.
والمشكلة ليست في الجودة أو القياس أو المساءلة بحد ذاتها، وإنما حين يصبح ما يمكن قياسه أهم مما يستحق أن يُنجز. فالبحث العميق يحتاج إلى وقت وتأمل وحرية، وإلى شجاعة تتيح احتمال الخطأ والفشل، بينما يدفع منطق «انشر أو اهلك» أحيانًا نحو كثرة الإنتاج لا جودة المعرفة، وإلى رواج صورة «المثقف المُقاول» أو «الأكاديمي السمسار» الذي يلاحق العائد والمؤشر والتمويل أكثر مما يلاحق السؤال والمعنى.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يدفعنا نقد الجامعة الحديثة إلى الحنين الرومانسي إلى الجامعة القديمة، فهي أيضًا لم تكن خالية من النخبوية والإقصاء وعلاقات السلطة. فالمطلوب اليوم ليس العودة إلى الماضي، بل بناء جامعة مستقبلية تستعيد رسالتها الفكرية، من دون أن تتخلى عن الجودة والمساءلة.
ولعل الخطر الأكبر ليس أن تغلق الجامعات أبوابها، بل أن تبقى مفتوحة، ممتلئة بالمباني والطلاب والأبحاث والتصنيفات، بينما تفقد من الداخل قدرتها على إنتاج الفكر الحر والمعرفة الحقيقية، وتنمية مهارات التفكير الإبداعي والنقد البنّاء.
فالجامعات ليست مجرد مؤسسات تمنح الشهادات، بل هي حاضنة للثقافة والتنمية، ومختبر لتقدم الدولة والمجتمع والإنسان. ومن هنا، فإن مستقبل الجامعة يحتاج إلى تأمل عميق ووقفة جادة للمراجعة، قبل أن نجد أنفسنا أمام جامعات تعمل بكفاءة، لكنها فقدت رسالتها، وتنتج كل شيء… إلا المعرفة الحقيقية.
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم