الخميس , نوفمبر 5 2026

نتنياهو.. الذئب المحاصر: حين يصبح البقاء الشخصي قضية وجود

الأول نيوز – صلاح ابو هنّود
مخرج وكاتب
في عالم السياسة المليء بالحسابات والصفقات، نادراً ما تتطابق الشخصية مع الدور إلى الحد الذي نراه مع بنيامين نتنياهو. فعلى مدار عقود، هندس الرجل مشهده السياسي باعتباره “الزعيم الأوحد” القادر وحده على حماية كيانه وإبقائه واقفاً على قدميه وسط بيئة إقليمية عاصفة. لكن التاريخ يعلمنا أن القادة الذين يختزلون الأوطان في أشخاصهم، يدخلون مرحلة الخسارة أو التراجع بوصفهم “ذئاباً مجروحة” تفقد صوابها حين يقترب شبح السقوط.
اليوم، يقف نتنياهو أمام مرآة مأزق مركب لا يحتمل أنصاف الحلول. فالأمر لم يعد مجرد تراجع انتخابي أو خلاف حزبي عابر، بل هو تهديد وجودي ثلاثي الأبعاد: ملاحقات قضائية بتهم الفساد تهدد بإنهاء مستقبله وإلقائه في السجن، وتصدع داخلي غير مسبوق في بنية المجتمع الإسرائيلي، وفشل استراتيجي في تحقيق أهدافه المطلقة التي وعد بها ناخبيه. هذا الثقل الهائل يحوله إلى قائد لم يعد لديه ما يخسره، وهو أخطر ما يمكن أن يواجهه أي نظام سياسي.
من الناحية النفسية، يعاني القائد الشعبوي المحاصر من جنون العظمة والخوف المزدوج من النسيان والمحاسبة. وحين يدرك أن أرضية السلطة تتسرب من تحت قدميه، يرفض تماماً خيار الانسحاب الهادئ أو الاعتراف بالهزيمة. تاريخ نتنياهو السياسي يخبرنا أنه بارع في صناعة الأزمات وإطالة أمدها؛ فكلما ضاق الخناق حول رقبته القضاسية والسياسية، كلما وجدناه يرفع سقف التهديد، ويوسع دائرة المواجهة، لكي يضمن أن يدفع الجميع معه ثمن سقوطه.
إن استراتيجية “الوقت الضائع” التي يدير بها نتنياهو معاركه الحالية تقوم على فرضية واحدة: إبقاء المنطقة في حالة غليان دائمة. فهو يعلم يقيناً أن توقف الحرب أو حل الأزمات يعني فوراً بدء الحساب الداخلي، وانكشاف عورات إدارته أمام شعبه وحلفائه. من هنا، تصبح استمرارية الفوضى هي طوق النجاة الوحيد له، ويصبح تصعيد التوتر الإقليمي هو الوسيلة الفضلى لتوحيد الجبهة الداخلية حوله قسراً، وتأجيل يوم الاستحقاق الكبير.
إن أخطر ما في حالة “الذئب المجروح” السياسية هي قدرتها على جر المنطقة برمتها نحو حافة الهاوية لتحقيق مكسب شخصي بحت. نتنياهو اليوم لا يقاتل من أجل عقيدة صهيونية كبرى أو رؤية استراتيجية لدولته، بل يقاتل باستماتة لأجل بقائه الحر والسياسي على رأس الهرم. ووحدها قراءة هذه الدوافع المظلمة كفيلة بفهم لماذا تبدو كل الجهود الدبلوماسية المعتدلة عاجزة أمام إصراره على إبقاء فتيل الانفجار مشتعلاً.

عن Alaa Alnaji

شاهد أيضاً

الشباب والهواتف الذكية: من التواصل الرقمي إلى الاستقطاب والتطرف

الأول نيوز – د.مارسيل جوينات لم يعد الهاتف الذكي مجرد وسيلة للتواصل وتبادل المعلومات، بل …