الأول نيوز – صلاح أبو هنود
مخرج وكاتب
حين تتحوّل السياسة إلى حلمٍ جغرافي ويختلط الوهم بالقرار، تفقد الدولة معناها بوصفها إطارًا للعيش، وتغدو الحدود خطوطًا مؤقتة على ورقٍ قابلٍ للمحو، وهناك تبدأ الكارثة. ما يجري في الشرق الأوسط لم يعد أزمة يمكن احتواؤها بل مسارًا يتّسع مع كل خطوة، فكل محاولة لضبطه تولّد انفلاتًا أعنف، وكل ضربة تُقدَّم كنهاية تفتح بابًا لبداية أكثر قسوة. الإبعاد لم يعد فعلًا استثنائيًا بل لغة القوة حين تعجز عن الإقناع، وحين يُختزل الإنسان إلى فائض يجب إزاحته يفقد السلاح معناه ويتحوّل التاريخ إلى شاهد على تمهيد الحروب قبل اشتعالها. في هذه اللحظة يختلط الوهم بالقرار، تُمحى الحدود من المخيّلة قبل الخرائط، وتُهجر العدالة بوصفها عبئًا أمام أولوية البقاء، فلا تعود الدولة مساحة للعيش بل أداة للتمدّد. نتنياهو لا يقف خارج الكارثة، حلمه ذاته هو الكارثة؛ فإسرائيل الكبرى ليست أرضًا أوسع بل عقلًا أضيق، وكل توسّع بلا أخلاق دعوة مفتوحة للصدام، وكل من يظن أن القوة تصنع نهاية يكتشف متأخرًا أنها تصنع الدوام فقط. الدعم الذي يُقدَّم باسم الواقعية ولا يُسحب باسم القانون لا يحمي الاستقرار بل يؤجّل الانفجار، والعالم يعرف لكنه يراهن على المسافة بين النار ومن أشعلها، غير أن الشرق الأوسط لا يعرف العزلة، فالنار هنا تنتقل بالتماس ومن يبدأ الصراع على أطراف الخريطة قد ينتهي في قلبها. أخطر ما في اللحظة الراهنة ليس الحرب وحدها بل تطبيع القناعة بعدم وجود بديل، حين يصبح الجنون خيارًا عقلانيًا وتُقبَل الكارثة بوصفها احتمالًا طبيعيًا، عندها يكون العالم قد انزلق من السياسة إلى العبث. كل حلم تمدّدي لا يعرف حدّه لا يصنع دولة أكبر بل كارثة أوسع، وحين يسقط الوهم سيُكتب أن حلم إسرائيل الكبرى لم يكن مشروع دولة، بل اسمه الآخر: الـكارثة الإسرائيلية الكبرى.
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم