الأول نيوز – صلاح ابو هنّود – مخرج وكاتب
منذ آلاف السنين، والإنسان يفتن بفكرة النهاية الكبرى.
ليس لأنه يحب الخراب، بل لأنه يريد أن يمنح وجوده معنى استثنائيًا، حتى لو كان ذلك المعنى يولد من النار. وهكذا خرجت فكرة “هرمجدون” من النصوص الدينية والأساطير والتأويلات، ثم تحولت مع الزمن إلى حلم مخيف يسكن السياسة والجيوش والعقول المتعصبة.
المشكلة لم تكن يومًا في الرمز نفسه، بل في أولئك الذين قرروا ارتداء عباءته.
هناك دائمًا من يظنون أنهم أبطال المشهد الأخير، وأن التاريخ اختارهم ليقودوا العالم نحو المعركة الفاصلة بين الخير والشر. وحين يصل الإنسان إلى هذه القناعة، يصبح أكثر استعدادًا لتبرير الموت، لأنّه لا يرى الضحايا بشرًا، بل مجرد أرقام داخل “سيناريو مقدس”.
أخطر ما في وهم هرمجدون أن بعض القادة لا يكتفون بانتظار النهاية، بل يحاولون صناعتها.
يحوّلون السياسة إلى نبوءة، والحرب إلى عقيدة، والكراهية إلى رسالة سماوية. وحين تمتزج القوة العسكرية بالعقائد المتطرفة، يصبح العالم أقرب إلى الجنون منه إلى الحكمة.
التاريخ يعلمنا أن الحضارات لا تسقط فقط بسبب ضعفها، بل بسبب غرور قوتها أيضًا.
كم من إمبراطور ظن أن السماء تقف خلف سيفه، ثم انتهى اسمه غبارًا في كتب التاريخ. القوة حين تفقد أخلاقها تتحول إلى وحش، والوحش مهما بدا عظيمًا يحمل في داخله بذور هلاكه.
وفي عصر النووي والذكاء الاصطناعي والأسلحة العابرة للقارات، لم تعد هرمجدون فكرة دينية فقط، بل احتمالًا بشريًا مرعبًا. لم يعد الخطر في النبوءات، بل في العقول التي تؤمن أنها فوق العالم، وفوق القانون، وفوق الإنسان نفسه.
ربما لا تكون هرمجدون معركة مكتوبة في السماء، بل لحظة يفشل فيها البشر في حماية إنسانيتهم.
وحين يقتنع بعض الساسة أن التاريخ لا يكتمل إلا بالنار، يصبح السلام فعل مقاومة، ويصبح العقل أكثر شجاعة من الصواريخ.
لهذا، فإن أخطر الناس ليسوا أولئك الذين يخافون النهاية، بل الذين يتخيلون أنفسهم أبطالها.
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم