الأول نيوز – الدكتور أحمد الطهاروة
في القرن الماضي، حصلت العديد من دول الجنوب، ومنها الدول العربية، على استقلالها العسكري والسياسي الشكلي بعد انتهاء حقبة الاستعمار التقليدي، إلا أن القرن الحادي والعشرين كشف أن الاستقلال يُقاس بقدرة الدولة على حماية قرارها الوطني، وتأمين احتياجاتها الاستراتيجية، وعدم الارتهان سياسيًا أو اقتصاديًا أو عسكريًا أو تكنولوجيًا للخارج.
فكم من دول رفعت أعلام الاستقلال، لكنها فقدت لاحقًا استقلال قرارها السياسي بسبب التبعية، أو أصبحت تعتمد على قوى أجنبية لحماية أمنها واستقرارها، أو بقيت رهينة للطاقة والمياه والتكنولوجيا القادمة من الخارج.
أما في الأردن، فقد تجلى المعنى الحقيقي للاستقلال في الخطاب التاريخي الذي وجهه عبدالله الثاني بن الحسين إلى أبناء الوطن وبناته خلال الفعالية الوطنية بمناسبة اليوبيل الفضي لتسلم جلالته سلطاته الدستورية، حين قال: “وعهدي لكم أن يبقى الأردن حراً، عزيزاً، كريماً، آمناً مطمئناً.”
لقد حافظ الأردن عبر عقود طويلة على استقلال قراره السياسي، وانتهج سياسة متوازنة قائمة على حماية المصالح الوطنية وعدم الانجرار إلى الصراعات الإقليمية رغم الضغوط الهائلة. فالأردن رفض المشاركة في غزو العراق عام 2003، إدراكًا لخطورة الحرب على أمن المنطقة ووحدتها، كما تعامل بحكمة مع الحرب السورية، فلم ينخرط عسكريًا في الصراع، بل ركّز على حماية حدوده وأمنه الوطني والتعامل الإنساني مع اللاجئين. وكذلك بقي موقفه متزنًا تجاه الأزمة اليمنية، داعيًا إلى الحلول السياسية بعيدًا عن استنزاف الشعوب العربية.
ويبرز استقلال القرار الأردني بصورة أوضح في الموقف الثابت تجاه القضية الفلسطينية، حيث وقف جلالة الملك بكل وضوح أمام ضغوط القوى الكبرى، رافضًا مشاريع تهجير أهل غزة أو تصفية القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن فلسطين قضية حق وعدالة وأمن قومي عربي.
ويكتمل معنى الاستقلال بالدور الكبير الذي تقوم به قواتنا المسلحة الباسلة وأجهزتنا الأمنية، التي استطاعت حماية أمن الأردن واستقراره دون الاعتماد على قوات أجنبية أو مظلات عسكرية خارجية. فالأردن اعتمد دائمًا على جيشه العربي المصطفوي وأجهزته الأمنية الوطنية ذات الكفاءة والاحترافية العالية في حماية الحدود ومواجهة الإرهاب والحفاظ على الأمن الداخلي.
وقد عبّر سمو ولي العهد الحسين بن عبدالله الثاني عن هذه الفلسفة الوطنية عندما قال خلال تخريج الدفعة الأولى من المكلفين بخدمة العلم: “فنحن من نصنع حاضرنا ومستقبلنا”، وهي رسالة تؤكد أن الاعتماد على الذات هو أساس القوة والاستقرار.
وفي مجال الطاقة، استطاع الأردن تعزيز أمنه الطاقي عبر تنويع مصادر الطاقة والتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، وإنشاء ميناء الغاز الطبيعي المسال في العقبة، إلى جانب تطوير حقل غاز الريشة الذي يمثل مشروعًا وطنيًا استراتيجيًا لتعزيز الاعتماد على الذات وتقليل فاتورة الاستيراد.
أما في قطاع التكنولوجيا، فقد أدرك الأردن أهمية التحول الرقمي والاستثمار في الإنسان الأردني، وهو ما أكده سمو ولي العهد بقوله: “ولدينا القدرة كذلك أن ننطلق بكامل إمكاناتنا… وجهتنا هي أردن أقوى، أردن يعتمد على نفسه، يستثمر الفرص التي تتيحها أدوات التكنولوجيا”. وقد برز الأردن كمركز مهم في قطاع تكنولوجيا المعلومات وريادة الأعمال، مع كفاءات شبابية متميزة في البرمجة والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
وفي ملف الأمن المائي، ورغم أن الأردن من أفقر دول العالم مائيًا، إلا أنه تعامل مع هذا التحدي باعتباره قضية أمن قومي، فعمل على بناء السدود وتطوير شبكات المياه وتقليل الفاقد والتوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة، إلى جانب إطلاق مشروع “الناقل الوطني” الذي يُعد أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في تاريخ المملكة لتعزيز الأمن المائي للأجيال القادمة.
إن الاستقلال الحقيقي يكون بامتلاك القرار الوطني، وبناء جيش قوي، واقتصاد قادر، وطاقة مستقلة، وأمن مائي، وتطور تكنولوجي، وثقة بين القيادة والشعب. وهذا ما نجح الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، في ترسيخه عبر عقود طويلة، ليبقى وطنًا حرًا عزيزًا آمنًا رغم كل ما يحيط به من تحديات.
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم