الثلاثاء , يونيو 2 2026

جَوْهَرَةُ الدُّسْتُورِ وَإِرْهَابُ الفِكْرِ: عَنْ قُدْسِيَّةِ الكَلِمَةِ وَحُرِّيَّةِ التَّعْبِيرِ

الأول نيوز – صلاح ابو هنّود
مخرج وكاتب

ليست حرية القول والتعبير مجرد مادة قانونية جافة تُحفظ في متون الدساتير، بل هي النبض الحيوي الذي يمنح القوانين قيمتها الإنسانية والأخلاقية، والركيزة الأساسية التي يقوم عليها وعي المجتمع ونهضته الحضارية. وحين نلتفت إلى الدستور الأردني، نجد أن هذه القيمة قد وُصفت بحق بأنها “جوهرته الثمينة”؛ إذ جاءت المادة الخامسة عشرة منه لتكفل للدولة صون هذه الحرية، مؤكدة حق كل مواطن في التعبير عن رأيه بالقول، والكتابة، والتصوير، وسائر وسائل التعبير، شريطة عدم تجاوز حدود القانون أو المساس بالنظام العام. إن هذا النص الدستوري يمثل سياجاً لحصانة الفكر؛ فالتعبير هو المظهر الخارجي لحرية الوعي، وبتره أو كتمه يعود بالمجتمعات إلى الركود والنمطية، بينما يتيح تدفقه بناء وجدان جمعي ناضج، يوازن بين إطلاق عنان الكلمة الصادقة التي تبني، وبين حمايتها من السقوط في مهاوي الفوضى.
وإن توصيف الاعتداء على هذه القيمة العظمى بأنه “إرهاب حقيقي” هو غوص في عمق الحقيقة، وتسمية للأمور بمسمياتها الوجدانية والفكرية الأصيلة؛ فالإرهاب في جوهره ليس مقصوراً على تدمير الماديات، بل إن أخطر أشكاله هو الذي يستهدف العقل البشري والروح الإنسانية عبر محاولة اغتيال الكلمة، وفض النطق، وفرض الصمت العقيم. فعندما تُكمَّم الأفواه الصادقة أو تُحارب الكلمة الحرة البنّاءة، نحن لا نواجه مجرد خرق تشريعي، بل نواجه عدواناً منظماً على الوعي البشري، وسعياً لبث الرعب الفكري الذي يخلق مناخاً من الخوف والوجل، يتردد المرء فيه قبل النطق بالحق، وهي البيئة الخصبة التي ينمو فيها التراجع الثقافي والحضاري.
إن الإنسان في ماهيته موقف، والموقف كلمة؛ وحين يُسلب المرء حقه في التعبير عن وجدانه وفكره، فإنما يُسلب أخص خصائص إنسانيته التي كُرِّم بها، ليتحول من كائن عاقل متأمل إلى مجرد صدى عابر. الكلمة الحرة هي صمام الأمان والعدالة لأي مجتمع، وبترها يدفع بالطاقات الحية نحو الانكفاء أو الاحتقان، في حين أن تدفق الآراء بوعي ومسؤولية يضمن الارتقاء والارتباط الوثيق بضمير الأمة. إن الفكر لا يُقارع إلا بالفكر، والحجة لا تتبدد إلا بالحجة، أما اللجوء إلى القمع والتكميم فهو إعلان صريح عن الإفلاس المعرفي، وجناية تُرتكب في حق الحاضر وتُورث الظلام للمستقبل؛ فاغتيال الكلمة الحرة أو محاولة وأدها هو تقويض لروح التشريع، لأن الشرائع ما وُجدت إلا لتكرم الإنسان، ولا تكريم للإنسان أرفع من صون عقله ولسانه.

عن Alaa Alnaji

شاهد أيضاً

في قصر الحسينية… الأردن كما يحبه الناس

فيصل الصويص –   الأول نيوز – ثمانون عاما مرت على استقلال الأردن و هذا …