الثلاثاء , يونيو 9 2026
أخبار عاجلة

في ذكرى الجلوس الملكي: الأردن حارس القدس والأمين على مقدساتها

الأول نيوز – د.رياض ياسين/ أستاذ التاريخ والحضارة في جامعة اليرموك/ رئيس رابطة الكتاب الأردنيين

يحتفل الأردنيون اليوم بذكرى الجلوس الملكي لجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، وبهذه المناسبة تتجدد معاني الدور الهاشمي التاريخي في الدفاع عن القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، باعتبارها مسؤولية سياسية ودينية وقانونية حملتها القيادة الهاشمية جيلاً بعد جيل، وظلت عنواناً ثابتاً في السياسة الأردنية ومكوناً أصيلاً من هوية الدولة ورسالتها.
لقد أدرك الأردن مبكراً أن قضية القدس ليست مجرد قضية سياسية مرتبطة بالصراع العربي الإسرائيلي، بل هي قضية حضارية وإنسانية تتعلق بحماية التراث العالمي وصون هوية مدينة تعد من أقدم مدن التاريخ وأكثرها قداسة ورمزية. ومن هنا جاءت الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس باعتبارها امتداداً تاريخياً لمسؤولية بدأت منذ عهد الشريف الحسين بن علي، وتعززت عبر عقود طويلة من الرعاية والإعمار والدفاع السياسي والقانوني عن المدينة المقدسة.
وفي عهد جلالة الملك عبد الله الثاني، اكتسبت هذه الوصاية أبعاداً أكثر وضوحاً وتأثيراً على المستويات العربية والإسلامية والدولية، حيث قاد جلالته جهوداً دبلوماسية متواصلة لحماية القدس والحفاظ على هويتها العربية والإسلامية والمسيحية، والتصدي لمحاولات تغيير واقعها التاريخي والقانوني. وقد شكلت اتفاقية الوصاية الأردنية الفلسطينية على الأماكن المقدسة في القدس، الموقعة في 31 آذار 2013، محطة مفصلية في تأكيد الدور الأردني التاريخي والقانوني في رعاية المقدسات، وترسيخ المرجعية الهاشمية في الدفاع عنها.
وفي قلب هذه المسؤولية يبرز مفهوم “الوضع القائم” باعتباره أحد أهم المرتكزات القانونية والتاريخية الناظمة لشؤون المسجد الأقصى المبارك والحرم القدسي الشريف. ويُفهم من هذا الوضع استمرار الإدارة الإسلامية الخالصة للمسجد الأقصى المبارك من خلال الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن، مع ضمان حق المسلمين في العبادة فيه، والسماح لغير المسلمين بالزيارة وفق الأنظمة المعمول بها تاريخياً. وقد أكدت اتفاقية الوصاية الأردنية الفلسطينية هذا المفهوم بشكل صريح عندما نصت على أن المسجد الأقصى المبارك، بمساحته البالغة 144 دونماً، ويشمل الجامع القبلي وقبة الصخرة المشرفة وجميع المساجد والمباني والساحات والأسوار والمرافق التابعة له فوق الأرض وتحتها، يشكل وحدة دينية وقانونية متكاملة لا تقبل الشراكة أو التقسيم المكاني أو الزماني بأي صورة من الصور.
ومن هذا المنطلق يرفض الأردن بصورة قاطعة جميع المحاولات الرامية إلى فرض وقائع جديدة داخل المسجد الأقصى أو المساس بصلاحيات دائرة أوقاف القدس، باعتبار أن أي تغيير في الوضع القائم يمثل انتهاكاً للقانون الدولي واعتداءً على الحقوق التاريخية والدينية الراسخة في المدينة المقدسة.
وتنبع أهمية الموقف الأردني من كونه يستند إلى منظومة متكاملة من المرجعيات القانونية الدولية. فالقدس القديمة مسجلة على قائمة التراث العالمي منذ عام 1981 بناءً على طلب الأردن، كما أدرجت على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر منذ عام 1982، وهو ما يؤكد اعتراف المجتمع الدولي بالقيمة العالمية الاستثنائية للمدينة وبضرورة الحفاظ على طابعها التاريخي الأصيل. كما أن حماية المقدسات والتراث الثقافي في القدس تستند إلى قواعد القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف لعام 1949، واتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، واتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي لعام 1972، فضلاً عن قرارات منظمة اليونسكو المتعاقبة، بما فيها القرارات الصادرة عن المجلس التنفيذي للمنظمة عام 2016، التي أكدت المرجعية القانونية الدولية الخاصة بالقدس ومقدساتها.
وفي هذا السياق، يؤكد الأردن باستمرار أن سلطة الاحتلال لا تملك أي حق قانوني في تغيير هوية المدينة أو المساس بمقدساتها أو إعادة تفسير وضعها التاريخي والقانوني. فالقانون الدولي يحمّل القوة القائمة بالاحتلال مسؤولية حماية الممتلكات الثقافية والمحافظة عليها، لا تغيير معالمها أو فرض سيادة جديدة عليها. ومن ثم فإن الاعتداءات المتكررة على المقدسات الإسلامية والمسيحية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى المبارك، تمثل انتهاكاً مباشراً للشرعية الدولية وللقيم الإنسانية التي قامت عليها منظومة حماية التراث العالمي.
إن الدفاع الأردني عن القدس لا ينطلق فقط من اعتبارات دينية أو قومية، بل من إيمان راسخ بأن المدينة المقدسة تمثل تراثاً إنسانياً عالمياً ورمزاً للتعايش الديني والحضاري بين أتباع الديانات السماوية. ولذلك فإن مسؤولية الحفاظ عليها لا تقع على الأردن وحده، رغم دوره التاريخي المحوري، بل هي مسؤولية المجتمع الدولي بأسره الذي أقر عبر مؤسساته ومواثيقه العالمية بضرورة حماية المدينة وصون هويتها التاريخية الفريدة.
وفي ذكرى الجلوس الملكي، تتجلى مكانة القدس في وجدان الدولة الأردنية بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني، بوصفها قضية حق وعدالة وهوية وتاريخ. كما تتجدد الثقة بالدور الهاشمي الذي أثبت على مدى عقود أنه صمام أمان للمقدسات الإسلامية والمسيحية، وحصن منيع في مواجهة محاولات طمس الهوية التاريخية للمدينة المقدسة. فالأردن، بقيادته الهاشمية، لم يكن يوماً مجرد متابع لما يجري في القدس، بل كان وسيبقى الحارس الأمين لمقدساتها والمدافع الصلب عن تراثها وحقوقها ومكانتها في الضمير الإنساني العالمي.
rhyasen@hotmail.com

عن Alaa Alnaji

شاهد أيضاً

في حرب حزيران انتصرت الأوهام وهُزمت الحقائق

الأول نيوز – د. أحمد ناصر الطهاروه تحل ذكرى حرب حزيران عام 1967، وما تزال …