الثلاثاء , يونيو 9 2026
أخبار عاجلة

ظلال قاصرة: عندما تترنح السطوة العسكرية على أعتاب “اللاحسم

الأول نيوز ‎- صلاح ابو هنّود
‎مخرج وكاتب
‎لم يعد النصر في الحروب الحديثة يُقاس بعدد الطائرات التي تجوب السماء، ولا بحجم الدمار الذي تخلّفه القذائف الذكية في المدن المنهكة. ثمة تحول بنيوي عميق يشهده العالم اليوم، يتجلى في عجز واشتقاق قدرة أعتى القوى العسكرية والتكنولوجية — ممثلة في الولايات المتحدة وإسرائيل — عن صياغة نصر حاسم ونهائي في الجبهات المفتوحة. هذا العجز ليس كبوة عابرة في التكتيك، بل هو إعلان رسمي عن موت “مفهوم الحسم الكلاسيكي”، وولادة زمن جديد تعاد فيه صياغة معادلات القوة والوجود.
‎معضلة التماثل المفقود: صراع الأجساد والأشباح
‎تاريخيًا، قامت العقيدة الأمنية لهذه القوى على مبدأ “الردع الساحق” والحروب الخاطفة. لكن هذه المقاربة تصطدم اليوم بحائط الحروب اللامتناظرة، حيث تواجه الجيوش النظامية المدججة بالذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية خصمًا من نوع آخر: قوات غير نظامية، شبكية، ولدت من رحم المعاناة والأرض.
‎في هذه المواجهة، تفقد التكنولوجيا ميزتها المطلقة. الجيوش النظامية تقاتل أهدافًا مرئية، بينما القوات غير النظامية تقاتل بعقيدة “الخفاء والحلول في الجغرافيا”. هنا، تتحول الأنفاق، الركام، والبيئات المأهولة إلى دروع استراتيجية تفكك التفوق الناري. إنها مواجهة بين قوى تملك “ساعة الوقت” وتريد حسمًا سريعًا يطمئن جبهتها الداخلية، وقوى أخرى تملك “الوقت نفسه”، وتستمد قدرتها على البقاء من الغاية الوجودية لمعركتها.
‎”ترابط الساحات” واستراتيجية التشتيت
‎لقد نجحت هذه الشبكات الممتدة في فرض واقع جيوسياسي جديد يُعرف بـ “ترابط الساحات”. لم تعد المعركة محصورة في جغرافيا ضيقة يمكن تطويقها وخنقها؛ بل تحولت إلى جبهات متعددة ومتزامنة تشتت جهد الخصم وتستنزف مخزونه اللوجستي والعسكري. هذا التوزيع العنقودي للمواجهة يجبر القوى الكبرى على خوض حرب استنزاف دائرية، حيث كلما أُغلقت جبهة اشتعلت أخرى، مما يجعل فكرة “الحسم الخاطف” مجرد وهم غابر في كتب التاريخ العسكري.
‎كلفة البقاء ومعادلة كيسنجر المقلوبة
‎في قواميس الصراعات المعاصرة، استعارت القوات غير النظامية حكمة المفكر الاستراتيجي هنري كيسنجر التي تقول: “الجيش النظامي يخسر إذا لم ينتصر، بينما القوات غير النظامية تنتصر إذا لم تخسر”.
‎من هنا، تنبثق آمال هذه القوات وتتحقق؛ فهي لا تسعى إلى تدمير جيش العدو في معركة مواجهة مباشرة، بل تسعى إلى صهر إرادته. الآمال هنا تقاس بالنقاط:
‎تآكل الإجماع الداخلي للخصم: تحويل العمق الاجتماعي والآمن للعدو إلى بيئة قلقة، مستنزفة اقتصاديًا ونفسيًا، وتائهة خلف قيادة عاجزة عن الوفاء بوعود النصر المطلق.
‎معركة الشرعية الأخلاقية: مع طول أمد الحرب، تندفع القوى النظامية المتغطرسة نحو استخدام مفرط وعشوائي للقوة، مما يفرغها من غطائها الأخلاقي، ويحولها في عين الرأي العام العالمي وفي المحافل القانونية الدولية من “مدافع” إلى “مُدان” معزول.
‎خِتامًا: صياغة النهايات لغير كاتبها
‎إن العجز عن الحسم في الجبهات كلها يعني شيئًا واحدًا: القوة العسكرية المحضة، مهما بلغت سطوتها، لم تعد قادرة على صناعة الواقع السياسي أو فرض الاستسلام. لقد انتهى الزمن الذي يملي فيه طرف واحد شروطه من فوق منصات المدافع.
‎الأمل الذي تحققه القوات غير النظامية اليوم، ليس مجرد صمود عسكري وسط ألسنة اللهب، بل هو إجبار القوى المهيمنة على الاعتراف — ولو بعد حين — بأن المقاعد على طاولة صياغة المستقبل الإقليمي لم تعد حكرًا على الطائرات الائتلافية، وأن الأرض، في نهاية المطاف، تحيز دائمًا لأصحابها الذين أتقنوا لغة الصبر واستراتيجية البقاء.

عن Alaa Alnaji

شاهد أيضاً

في حرب حزيران انتصرت الأوهام وهُزمت الحقائق

الأول نيوز – د. أحمد ناصر الطهاروه تحل ذكرى حرب حزيران عام 1967، وما تزال …