تحية لتلك البراءة الأولى في زمن الوجوه الزجاجية والمدن الإسمنتية
وسادة من جلد ونواصٍ من أحلام:
صلاح أبو هنود –
مخرج وكاتب
الأول نيوز – في غمرة هذا العصر الرقمي الصاخب، حيث تنام الهواتف الذكية تحت وسائدنا لتشحن طاقتها من أسلاك صامتة، أجدني أتسلل عبر دهاليز الذاكرة إلى زمنٍ كانت تنام فيه تحت وسائدنا أشياء أخرى؛ أشياء أكثر دفئاً، وطهارة، وأقرب إلى الفطرة الأولى. أعود بالذاكرة إلى تلك الليلة السحرية، ليلة العيد يوم كنا أطفالاً، حين لم تكن الأسرة الوثيرة تعني لنا شيئاً، وكان “حذاء العيد الجديد” هو الوسادة الحقيقية التي نودع عليها رؤوسنا المثقلة بالانتظار.
كيف لقطعة من الجلد أو القماش، تفوح منها رائحة البساطة، أن تتحول إلى مخبأ للأحلام؟ لم يكن ذلك الحذاء مجرد زينة للقدمين، بل كان تذكرة عبور إلى الغد، وكان وضعه تحت الرأس، أو احتضانه حتى الفجر، هو الطريقة الوحيدة التي يطمئن بها قلب الطفل الصغير بأن الفرح لن يهرب، وأن العيد لن يمر من دون أن يطرق بابنا. كنا ننام وأعيننا نصف مفتوحة، نرقب، ونستعجل شمس العيد أن تشرق، كأننا نحن من نسحب خيوط الفجر بأيدينا الصغيرة من وراء الأفق.
اليوم، نسكن في ناطحات سحاب ملساء، جدرانها هندسية وجافة لدرجة لا تترك أثراً للزمن. نملك العالم بلمسة شاشة، ونرى من نحب أمامنا في بث مباشر فوراً، ورغم ذلك نجد أنفسنا نغني لبيوت الشعر والطين، ونحنُّ إلى البعيد! إنها المفارقة الإنسانية الصارخة؛ فكلما زادت مظاهر التقدم والوفرة، كلما زاد جفافنا العاطفي. لقد تحول التواصل الفوري إلى تفاصيل يومية عادية قتلت دهشة الانتظار، وأصبحنا نعيش داخل أقفاص ذهبية من القوانين والالتزامات الصارمة التي تكبّل حريتنا الفطرية، فنغني للشريد والخارج عن رتابة المدينة لعلنا نستعيد جزءاً من أرواحنا المفقودة.
إن حنيننا لتلك الأيام يشبه تماماً “الحنين لحليب الأم” رغم كل أصناف الطعام الفاخرة والمصنعة التي تمتلئ بها موائدنا اليوم. نحن لا نحسد الرضيع على طعامه، ولا نحسد ساكن بيت الطين على قسوة حياته، بل نحسد فيهما “السكينة المطلقة، ووضوح العلاقات وعفويتها”. حليب الأم وحذاء العيد الطفولي هما رمزان للنبع الأول، للطهارة والنقاء قبل أن تلوثنا حسابات الحياة ومعادلات المدنية الحديثة.
أولادنا اليوم ينامون وهواتفهم مشحونة بالكامل، لكن هل تشحن قلوبهم تلك الفرحة الراعشة التي كانت تملأ صدورنا ونحن نتحسس ثياب العيد المعلقة كأنها كائنات حية تشاركنا السهر؟ لقد تلاشت اللهفة في طريق الوفرة، وأصبحت البهجة تُشترى جاهزة ومعلبة.
إن الحنين إلى “حذاء العيد الوسادة” ليس بكاءً على فقر مضى، ولا رفضاً لتقدم عشنا تفاصيله وصنعنا فيه أدواتنا، بل هو آلية دفاعية نفسية حتمية توازن غربة الإنسان المعاصر. إنه صرخة حرية يطلقها البدوي الثائر القابع في أعماقنا والذي لا يمكن ترويضه بالكامل.
ربما لم نعد نضع أحذيتنا الجديدة تحت وسائدنا اليوم، فقد كبرنا وكبرت معنا همومنا، ونمت لغاتنا لتصبح أكثر تعقيداً. ولكن في كل عيد، ومع تلاشي تكبيرات العيد القادمة من مآذن بعيدة تلفها سكينة الفجر، نحتاج أن نخلع عنا قناع “الوقار المدني” الجاف. نحتاج أن نعود—ولو لدقائق—إلى ذلك الطفل القابع في أعماقنا، الذي يعرف كيف يرى في الحذاء الجديد وسادة، وفي شروق الشمس معجزة تستحق السهر، ليظل هذا الحنين هو الحبل السري الذي يمنعنا من أن نتحول إلى آلات في مصنع هذا العالم الحديث.
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم